فلسفة الأخلاق

التسامح والمواطنة
 
الرئيسيةاليوميةس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 كيف نجمع بين تجديد الإيمان وإرواء العقل؟ سهيل فرح الجزء الثاني

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
Admin
Admin
avatar

عدد المساهمات : 82
نقاط التمييز : 32864
السٌّمعَة : 10
تاريخ التسجيل : 07/01/2009

مُساهمةموضوع: كيف نجمع بين تجديد الإيمان وإرواء العقل؟ سهيل فرح الجزء الثاني   الأربعاء يونيو 03, 2009 2:45 pm

فلسفة العلم، كما هو معلوم، انحازت إلى الرؤية الوضعية التي تعتبر أن العقل العلمي نهاية النهايات، وكأن لا وجود لفلسفة أو روحانيات أو لاوعي؛ كما أنها ترسم له مهمات وحدودًا لا يمكنه تجاوزها. فالعلم، بطبيعته، غير ثابت؛ وحقائقه، بطبيعة الأمر، غير ثابتة. فهو يعمل دائمًا على تجديد نفسه بالرؤية الجديدة المعتمِدة على مستجدات المصطلح والمنهج والمادة والموضوع. كما أن تاريخ العلم، كما يقول غاستون باشلار، "لا يُظهِر إيقاعًا متناوبًا بين الواقعية والوضعية، بين المذهب العقلي والمذهب الاختباري، بين مذهب الذرة ومذهب الطاقة، بين المنفصل والمتصل، ليس لأن سيكولوجية العالم تنوس في جهدها اليومي بين تشابه القوانين وتنوُّع الأشياء فحسب، بل لأن الفكر العلمي ينقسم انقسامًا واقعيًّا وانقسامًا وجوبيًّا في مجال كلِّ فكرة وصيغة".
وإذا كانت الحال الواقعية للعلم كذلك – وهي كذلك على الأرجح – فإن المعرفة العلمية للأمور، على واقعيتها وعقلانيتها وأهميتها الإنسانية الكبرى، معرفة نسبية، وكلُّ ما فيها قابل للتطور، للتعديل وللتغيير. من هنا ينبغي على المفكر أو الباحث في شؤون الدنيا والدين أن يحرِّر نفسه من وهم كان وقع فيه – ولا يزال – العديد من الفلاسفة وبعض علماء الطبيعيات والإنسانيات الذين يظنون أن الواقعية والعقلانية التامة محرابهم والذين يؤمنون أنهم قادرون على إعطاء صورة علمية واحدة للوجود. إنها نظرية غير متواضعة. فهذا الوجود الغزير، في كثرته ومعطياته الخارجية وفي وحدته الصميمية الكونية على حدٍّ سواء، يجعلنا نقطة صغيرة فيه ويدفعنا إلى الاعتقاد بأن أية حقيقة من الحقائق لا يمكنها أن تحيط ولو بالجانب الضئيل منه. كما أن الوجود الديني والدنيوي، في نظر العالِم المتواضع، لا يُدرَك دفعة واحدة، أو من خلال علم معين أو حقل معرفي واحد، لا في التجربة ولا في العقل. من هنا ينبغي النظر إلى تركيبة العقل العلمي، وإلى كلِّ تجاربه وفتوحاته، على أساس أنها تركيبة متحركة، حتى ولو بدا هذا التركيب من الناحية الفكرية أو الفلسفية معضلة لا يمكن حلُّها.
العلم، بمعناه المجرد، يزوِّدنا بالمعرفة التقنية وينمِّي فهمنا للكون. فالعلم والحقيقة العلمية يوفران للإنسان القدر الواسع من المعلومات الملموسة، ويضعان خبرتهما كلَّها في نظام متسق رائع، إلا أنه صامت. فالصورة "المطلقة" التي ينقلها الوضعيون، الكلاسيون منهم والجدد، والتي تعتبر أن العلم يتمكن من الفهم الكامل لكلِّ ما يحدث، تجعلنا نتصور أن الإنسان يتصرف كساعة ميكانيكية يمكن، في حدود ما يعلمه العلم، أن تسير على ما هي سائرة عليه، بلا وعي منها أو إرادة أو جهد أو ألم أو فرح أو مسؤولية؛ وهذا في الحقيقة مفهوم يحمل درجة عالية من المحدودية والابتذال. فالعلم لا يعرف ولا يحس باللذة والألم، بالجميل والقبيح، بالخير والشر، بالله والخلود، إلخ.
إن العقل العلمي الذي يعرف حدوده الإبستمولوجية متواضع جدًا. فهو يعمل في المادي والمحسوس ويبرع فيهما، ويسعى، إلى جانب دراسته للواقعي والعقلاني، لأن يفهم اللاواقعي والميتافيزيقي واللاواعي، وحتى الإحاطة ببعض أسرار الكون العامة. فكبار علماء القرن العشرين، من أينشتاين إلى شيلكوفسكي، ومن بلانك إلى فرنادسكي، ومن شارون إلى عظيموف، ومن تيار دُه شردان إلى كابيتسا وشيبوف، يدركون جيدًا الطاقة الجبارة للعلم وفتوحاته الكبرى؛ إلا أنهم يدركون جيدًا أيضًا أن العلم ليس كلَّ شيء في الحياة، ويعلمون جيدًا أن الكون يرتكز على تناغم المعادلة بين الروح والمادة.لذلك، عند نظرتنا للحقائق العلمية المتنوعة والحقائق الكونية والروحانية الواسعة، وعند قراءتنا وتحليلنا أيَّ نص، وبالذات إذا كان يحمل في طياته شحنات واسعة من الرموز والاستعارات والصور والوجدانيات والروحانيات، ينبغي أن لا يتم الانطلاق من التوصيف العقلاني الصارم. وفي هذا السياق لا يجوز النظر إلى الدين أو اللغة الدينية من باب المدخل العقلاني الصارم، أو من باب ما أسميناه بالحقيقة العلمية التي يقول عنها بعضهم إنها شمولية. فالنظرة أو الحقيقة أو التجربة الذاتية لدى المؤمنين تأتي عبر وجود ما نسميه حقيقة دينية، لها سماتها وخصائصها ولغتها وخطابها. وهذا ما يطرح علينا السؤال الآتي: هل الدين حال واقعية أو حقيقية؟
الحقيقة الدينية : هل صحيح قول الوضعيين – ومعهم فرويد – أن الإيمان الديني كان يمثل حال عدم نضج سيتغلب عليها العلم؟ سؤال لا يستطيع أن يجيب عليه العلم في صيغته أو تأويلاته، مثلما لا يمكن أن نجد الجواب الشافي عليه في الرؤية الشعبوية الدينية. فالحقيقة العلمية لا يمكن أن تجد المكان الطبيعي والنهائي لها في الرؤية الموضوعية.
إن الدين، كالشعر أو الموسيقى، لا يمكن أن يحاط به برؤية أو تفكير علمي صارم، ولا يمكن إخضاعه للمنهج التجريبي. الدين والحقيقة الدينية نتاج الإبداع الكوني المنفتح على المطلق. فالعلماء والفلاسفة الذين لا يجدون في مناهجهم وخطاباتهم مكانًا لله يشيرون عادة إلى فكرة الله العلَّة الأولى؛ وهذا مفهوم تم التخلِّي عنه، حتى من جانب النخب المفكرة في الخطاب الديني اليهودي والمسيحي والإسلامي. فالله الأكثر ذاتية لا يمكن إثباته، كأنه حقيقة موضوعية لا يختلف عليها اثنان. فلا يمكن وصف الله ضمن أيِّ نظام مادي في الكون؛ وليست مجدية تلك المحاولات التي تسعى إلى إثبات وجود الله منطقيًّا. كما أن الإيمان بالله لا ينبغي أن يأتي من خوف. فالأمر يتطلب حكمة إنسانية تفتح القلب لله وتدعوه دائمًا لأن يحضر في مُثُلنا الأخلاقية والكونية.وعندما نتناول النص الديني ينبغي أن لا نقرأه انطلاقًا من الرؤية العلموية للأمور. فالرؤية العلمانية غير المؤمنة تصوِّر الآيات والعقائد الدينية على أنها خرافات وأساطير؛ ولكونها تنظر إلى النصوص بهذا المنظار فهي تظن أن لا شيء فيها صادق بالمعنى الحرفي. هذه القراءة العينية والحرفية تغيب عنها ناحية مهمة في علاقة الأنا الإنسانية بالمطلق. وهذه الناحية هي التي تشير وتهدينا إلى أن فكرة الله انطوت في الوعي الديني على معنى رمزي. فوجود الله ضروري لاستمرار وجود العالم والكون. ولعل حضور هذه القوة الرمزية الهائلة، التي سمَّاها العقل البشري الله، تعمل، كما كانت في الماضي وستعمل في الحاضر والمستقبل، بواسطة القوانين الطبيعية نفسها. وبهذا فإن ثمة عملية تجانس بين الطبيعي والإلهي. إن الخضوع للبراهين المنطقية والحجج العقلية لا يجدي عندما يجري الحديث عن الله. فمن الأرحب والأجدى، في هذا السياق، أن نقرَّ بالنور الداخلي للحضور الديني المستقر في أعماق النفس الإنسانية الذي يفتح المجال واسعًا أمام مساحة رحبة من الرجاء لا يعطيها العقل ولا المادة ولا كلُّ أنواع السياسات البشرية. إن الذين يرفضون صورة ما لله الذي ارتُكِبَت باسمه أبشع الحروب والكوارث الإنسانية المرعبة ينبغي احترامهم؛ كما أنه في الإمكان توظيف صورة الله كدواء غير مجدٍ أو كغاية لخيال متساهل. فلقد استُخدِمت فكرة الله مرارًا كأفيون مخدِّر للشعوب، على حدٍّ قول ماركس، كما فهم الله عن بعضهم على أنه وجود آخر يماثل وجودنا، أو بمعنى آخر، على "صورتنا ومثالنا"، لكنه أفضل منا في علياء سمائه التي ترادف صورة الفردوس المليء بكلِّ ما يشتهيه الإنسان في دنياه! إن لله، حتى عند بعض الموسوعيين الماديين، حضورًا. بلوخ يرى أن فكرة الله طبيعية بالنسبة للحياة البشرية. فهذه الحياة موجهة دائما نحو المستقبل؛ ولأننا نشعر بحياتنا غير تامة وغير منتهية فإن هذا يولد فينا الحافز على أن نفكر ونطور كلَّ نقطة في حياتنا لتجاوز أنفسنا. فحتى الفلسفة تبدأ بالتساؤل الذي يكون بالتجربة. الله، بهذا المعنى، عند بلوخ وفويرباخ، مثل إنساني أعلى لم يتحقق بعد. كما أن ماكس هوركهايمر، المنظِّر الأبرز في مدرسة فرانكفورت، يرى أنه ما لم يشمل علمُ السياسة والأخلاق فكرةَ الله فإنهما سيبقيان متصفين بالبراغماتية والدهاء بدلاً من اتسامهما بالحكمة. لا فائدة، إذن، من عملية إبعاد الدين عن الحضور في الذات الفردية والجماعية، وإبعاد العلم عن العمل الواسع في كشف أسرار القوانين الطبيعية وتوظيفها لخدمة الإنسان. إن إدخال الإنسان في لعبة إبعاد الواحد الآخرَ هي لعبة عبثية، حيث لا يمكن لأيٍّ منهما أن يستبعد الآخر أو يقصيه أو ينفيه. المهم هو وضع الحدود العاقلة بين الحقيقة العلمية والحقيقة الدينية، بين الحقيقة السياسية والحقيقة الأخلاقية، وتبيان ما هو متمايز أو متقاطع أو منسجم بين هذا وذاك. وما يجعل علاقة الديني بالدنيوي متجانسة هو أن يُعطى لكلِّ بعد من أبعاد الشخصية الإنسانية حجمه الطبيعي. فالإنسان، في أبعاده المادية والروحانية، هو ابن التركيبة الكيمائية والبيولوجية للأرض والكون؛ وفي بُعده العقلاني هو ابن التطور الدماغي لهذا الكائن البشري؛ وفي بُعده الروحاني هو ابن الجانب الأكثر خلودية بين الكائنات الأخرى، هو ابن الله. ولا يمكن حصر وجوده البيولوجي أو الاجتماعي أو النفسي أو الثقافي في بُعد واحد أو بُعدين؛ فالصورة قد تكون أشمل فيما لو أخذناها بأبعادها الثلاثة، والمخاطرة في فهمه قد تقل في حال كانت إحاطتنا بهذه الأبعاد الثلاثة أشمل. فالمهم هو الإقرار بوجودها والعمل على ترسيخ قيم المعرفة العلمية في الأول، والنزعة المنفتحة في الثاني، وإعلاء قيم المحبة والسلام الداخلي والتسامي في الثالث. إن للعقل حقلاً يفعل فيه ضمن ضوابط علمية. وهذه الضوابط تستند إلى مجموعة من المصطلحات والمفاهيم والمناهج غير ثابتة، بل هي في حال تغيُّر وحركة تجديد مستمرة؛ لذا فإن فاعليتها الزمنية والحياتية نسبية ومؤقتة خاضعة للمستجدات. وإذا كان العقل العلمي يفتش دائمًا عن الجديد في الطبيعة فهو يسعى لكشف أسرارها الموجودة في أصغر صغائرها، بدءًا من الذرة وانتهاء بالكون الواسع؛ لذا فإن مجاله مفتوح دائمًا للكشف. بينما القلب والوجدانيات لا تخضع لقوانين العقل العلمي، بل لمجال الروحانيات الرحبة، التي تفتح المجال واسعًا أمام النفس لأن ترتقي إلى الأعلى والأسمى، وإلى الأكثر إشراقًا في الحياة الأخلاقية والجمالية والإنسانية عامة، وتسعى أيضًا للإبحار الواسع في عالم الميتافيزيقا التي لا حدود لشطآنها وفضاءاتها.
إذن لكلِّ مجال حقوله. ولعل من الصعوبة – بل من الخطورة – أن نجعل من فكرة النظام العقلاني–العلمي المحكم خطابًا شاملاً للوجود بأسره. كما أن الخطورة الأخرى تقع في الجانب الآخر، حيث تعمل بعض الفعاليات المستفيدة من الإرث التاريخي الشعبوي–الديني والطائفي من أجل محاولة كبح العقل العلمي في اكتشاف أسرار الطبيعة.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://philo-ethique.alafdal.net
 
كيف نجمع بين تجديد الإيمان وإرواء العقل؟ سهيل فرح الجزء الثاني
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
فلسفة الأخلاق :: إعلانات و أنشطة مشروع فلسفة الأخلاق :: المنشورات :: دراسات الدكتور سهيل فرح-
انتقل الى: