فلسفة الأخلاق

التسامح والمواطنة
 
الرئيسيةاليوميةس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 كيف نجمع بين تجديد الإيمان وإرواء العقل؟

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
Admin
Admin
avatar

عدد المساهمات : 82
نقاط التمييز : 32864
السٌّمعَة : 10
تاريخ التسجيل : 07/01/2009

مُساهمةموضوع: كيف نجمع بين تجديد الإيمان وإرواء العقل؟   الأربعاء يونيو 03, 2009 2:43 pm

كيف نجمع بين تجديد الإيمان وإرواء العقل؟ سهيل فرح
مفهوم الحقيقة : الحديث عن الحقيقة ليس بالأمر السهل، إذ يحمل في ثناياه الكثير من المعضلات. فعندما يتم تناول مفهوم الحقيقة بالمفرد يبدو، للوهلة الأولى، كأن ثمة حقيقة واحدة ثابتة؛ بينما عندما يجري الحديث عن الحقائق بصيغة الجمع، من حيث هي قضايا متعلقة بجزء ما من هذه الظاهرة، من هذا العلم، فهنا تحمل الحقيقة معنى جزئيًّا أو نسبيًّا. فيجري الحديث، في إطار المعرفة العلمية، مثلاً، عن أمر هو الحقيقة العلمية؛ ومن بعدُ تتفرع هذه الحقيقة إلى حقائق علمية عديدة، كالحقيقة الفيزيائية والحقيقة البيولوجية والحقيقية السوسيولوجية؛ ويمتد المجال ليشمل حقولاً معرفية في الوجود، كالحقيقة الفنية والحقيقة الدينية وغيرهما.
وهذه التساؤلات التي نطرحها مشروعة في جوهرها لأنها قد تساعدنا في توضيح التمييز بين الأشكال المتنوعة من الحقيقة، وعلى التمييز بين ما يسميه بعضهم الحقيقة المطلقة أو الحقيقة النسبية، الحقيقة اليقينية والحقيقة الترجيحية أو الاحتمالية، الحقيقة المادية الملموسة والحقيقة الصورية والروحية، الحقيقة الذاتية والحقيقة الموضوعية. وكافة هذه المفاهيم يبقى النظر فيها مجردًا ما لم يتم تحليلها بالمقارنة مع مصطلحات قريبة منها أو متداخلة معها، كالعلاقة بين الحقيقة والواقع، أو مع مصطلحات أخرى تدخل في الوعي الذاتي لدى هذا الطرف أو ذاك تحت اسم الخطأ أو الوهم أو الشك.
إن التصدي لهذه المعضلة يطرح مسألة اليقينيات أو الحقائق التي بناها بعضهم، من داخل الفكر العلمي أو من خارجه، على أخطاء تراكمت مع الزمن، وأضحت تمثل الحقائق اليقينية، ووصلت لدى بعضهم إلى درجة القداسة! وهذا الأمر يعقِّد المعضلة لأنه عندما يتم البحث في جوهر هذه اليقينيات ويجري الحفر في جينيالوجياتها، وصولاً إلى بدايات تكونها، تكون المفاجأة الكبرى إذا تم التأكد من أن هذه اليقينيات مبنية على أوهام!
ولما لم يكن من مهمة البحث تكريس الانتباه إلى مسألة الحقيقة كموضوعة مستقلة فإن الأمر هنا يقتصر على علاقة المفهوم بالمسألة العامة للأطروحة. من هنا، ومن أجل توخِّي الدقة، فإن البحث يستدعي الرؤية العقلانية النقدية لكلِّ وهم أو خطأ، والعمل علي الاقتراب من المفاهيم والحقائق الموجودة في واقع حياة البشر، في أنماط تفكيرهم وسلوكياتهم، في عالم الوعي عندهم وعالم اللاوعي، وهذا في إطار التصور العقلاني للمحسوس والملموس. والحقيقة الكونية، بدورها، قد تكون حاضرة أو موجودة في إطار اللامحسوس واللاملموس، أي في إطار موجودات العقل الباطن، أو في إطار القوانين والأسرار الموجودة في الطبيعة والكون التي ما زالت عصية على فهم العقل العلمي لها.
الحقيقة العلمية لا جدال في أهمية العقل العلمي في اكتشاف أسرار الطبيعة والكون؛ ولا ضرورة للتأكيد على أهميته الفائقة في تحسين الحالة الصحية والمادية للإنسان في عالم دنياه؛ ولا حاجة للقول إنه استطاع، على مستوى العلوم الدقيقة والإنسانية، أن يفتح آفاقًا واسعة أمام الإنسان، وأن يزيل كلَّ ما هو واهم وخاطئ في تاريخ المعرفة، بما فيها المعرفة العلمية. وكما يقول كبار فلاسفة العلم فإن تاريخ العلم هو تاريخ أخطائه والتحرر الدائم منها. والعلم يمضي قُدُمًا في كشف مستمر لأسرار الأرض والكون؛ وتلك الأسرار تشكل المادة التي لا تنتهي للبحث والاستنتاج ولإعادة التجربة من جديد. تلك وقائع بديهية؛ من ينكرها ينكر أهمية العقل العلمي في الحياة، وينكر الجانب الذي يساعد على بقاء حياة الكائنات وتحسينها واستمراريتها. بيد أن المسألة التي يجب الوقوف عندها هي الأسئلة الفلسفية الملحَّة التي تطرح نفسها حول علاقة العلم بالحياة، بالمادة والروح، وبالكون. بمعنى آخر: هل الحقيقة، بمعناها الفلسفي، هي علمية فقط؟ وهل الحياة علم وعقل فقط؟ أين الحقائق الأخرى في الحياة والكون؟ وهل يحمل الإنسان بعدًا واحدًا ماديًّا، أم أن له أبعادًا أخرى؟ وهناك أسئلة فلسفية أخرى تتعلق بالمعايير العلمية التي بموجبها نصوِّر أحكامنا الصائبة أو الخاطئة التي على أساسها نقبل بعض المبادئ ولا نقبل مبادئ أخرى.
كيف، على سبيل المثال، يمكننا أن نفرق بين معيارين مختلفين للحقيقة؟ كيف نفرق بين سببين لقبول أحد المبادئ؟ إن السبب أو الأسباب التي تحملنا على تصديق نصٍّ ما هو أننا نستطيع أن نستنبط منه نتائج يمكن تدقيقها بالمشاهدة؛ أو، بكلام آخر، نحن نصدِّق النصَّ بسبب نتائجه: نصدق قوانين نيوتن، مثلاً، لأننا نستطيع بواسطتها أن نحسب حركات الأجرام السماوية. والسبب الثاني هو أننا نصدق نصًّا ما لأنه يمكن استنباطه منطقيًّا من المبادئ الجلية. وفي لغتنا العلمية الحديثة نطلق على ذلك تسمية المعيار العلمي. وكافة النتائج العلمية السليمة ترتكز على الفرضيات التي لا يمكن إثباتها إلا بالتجربة.
بيد أن كلَّ الفروض والنتائج تبقى نسبية، إلى أن تأتي فرضيات ونتائج أخرى لتحلَّ محلَّها؛ لذا فليس من حقيقة ثابتة في العلم. إن المعيار العلمي للحقيقة ينطلق من الرؤية التي تماثل بين رؤية العين ورؤية العقل. وهذا المعيار هو، بدوره، خاضع لأكثر من تأويل، وتكون نتائجه أقرب إلى الغموض والتعقيد. هنا يتساءل المرء عن الفائدة العلمية لهذه المبادئ؟ فمن المفروض أن هذه المبادئ تعطي توصيفًا مقنعًا، وربما نهائيًّا، للكون والإنسان. فإذا ما تم اعتبار المجتمع البشري صورة عن الكون فإن الإنسان يتصرف بصورة طبيعية عندما يسير أو يتصرف وفقا لقوانين الكون. إلا أنه، من جهة أخرى، وإذا ما تم اعتبار أن المبادئ العلمية تعطي توصيفا ما للكون، فإن هذا التوصيف ينطلق من الفرضية العلمية التي تقول إن كلَّ الحقائق المادية يمكن استنباطها من قوانين الميكانيكا الكهربائية والديناميكا والذرة؛ وهذا يوقعنا في مخاطرة القول إنه ليس هناك في هذا الكون من وجود سوى للمادة، علمًا أن الكثير من المسائل الكونية التي تخرج عن إطار رؤية العين والعقل، والتي تدخل في إطار العالم الواسع الآفاق للروح والفن والإبداع، هي كلُّها حقائق موجودة، ولعلها تمثل الحالات الأكثر إشراقًا ومعنى في علاقة الإنسان بالكون.
يتبع
[justify]
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://philo-ethique.alafdal.net
 
كيف نجمع بين تجديد الإيمان وإرواء العقل؟
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
فلسفة الأخلاق :: إعلانات و أنشطة مشروع فلسفة الأخلاق :: المنشورات :: دراسات الدكتور سهيل فرح-
انتقل الى: