فلسفة الأخلاق

التسامح والمواطنة
 
الرئيسيةاليوميةس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 حدود التســــــامح وعوائقه في الفلسفة الغربية الحديثة .حيرش بغداد محمد ج8

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
Admin
Admin
avatar

عدد المساهمات : 82
نقاط التمييز : 32274
السٌّمعَة : 10
تاريخ التسجيل : 07/01/2009

مُساهمةموضوع: حدود التســــــامح وعوائقه في الفلسفة الغربية الحديثة .حيرش بغداد محمد ج8   الأربعاء مايو 13, 2009 1:15 pm

إن خبر "موت الإله" ليس موجها إلى الملحدين بقدر ما هو موجه إلى الناس المؤمنين الذين لم يعودوا يشعرون بوجوده. فالمجنون الذي أشعل فانوسا في ضوء النهار، وبدأ يجري في الساحة العمومية صارخا بدون توقف: أنا أبحث عن الإله! أنا أبحث عن الإله! فقد أحدث ذلك ضحكا كبيرا. إن عدم الشعور بهذا الوجود دليل على ما انتهى إليه العالم من عدمية. يقول:<< ويمكن أن نعرف العدمية على أية حال بأنها: "غياب المغزى والغاية". وقد غدا هذا الغياب للمغزى وللمعنى والغاية مذ ذاك مألوفا لنا تماما في عالم لا أرضية له، ولا أمان فيه، ولا نهاية للأشياء فيه.>>([36]). وحتى العلوم الحديثة قد انتهت إلى هذه الحالة، بحيث أصبحت لا تهدف إلا أن تكون مرآة تعبر عن الواقع كما هو بدون تدخل العواطف والأهواء. لقد انتهت إلى نوع من الزهد، لفصلها بين المرح والمعرفة، فقد جعلت الإنسان أكثر برودة وأكثر مشابهة لتمثال.
يقترح نيتشه في القابل إرادة القوة والإنسان الأعلى. أما الشفقة فهي شعور باللذة من طرف أولئك الذين لهم أنفة أقل ولا يستطيعون تحقيق الفتوحات الكبيرة. إن السم الذي يموت به نوع ضعيف جدا ليعتبر منشطا للقوي، هكذا لا يأبه القوي بأن يعتبره سمه. بمعنى أن الأخطار والتحديات التي تؤدي إلى هلاك نوع ضعيف يمكن أن تكون سببا لانبعاث وتقدم نوع قوي، فلا يسمي هذه المخاطر مهالك بل شروط وجود. إن كثير من القيم الأخلاقية كانت من إنتاج الضعفاء كي يحموا أنفسهم من الأقوياء. وهي تمجد في الأغلب التواضع، التضحية بالنفس واحتقار الذات ...فهي مجرد رد فعل باستعمال الحيل وابتداع عالم ميتافيزيقي يتلقى فيه المسيئون أشد أنواع العقاب. في حين أن الأقوياء في إبداعهم للقيم ينطلقون من دواتهم وما تتصف به من خصائص. أن نحيا معناه عند نيتشه أن نكون قساة بدون رحمة وبلا شفقة مع كل ما هو ضعيف وبال فينا.
المناداة بالتسامح بدون التأسيس له قانونيا هو محاولة في حد ذاتها لإخفاء أشكال اللاتسامح والتطرف السائدة في المجتمع. كما أن التسامح المفرط غير المبالي يؤدي من جهة إلى ضياع الحقيقة، ومن جهة أخرى إلى إفلاس التسامح ذاته. يمكن إقامة علاقة مع الغير تتسم بعدم التسامح والاحترام في نفس الوقت. إنم رفض آراء الآخرين ليست مبررا كافيا للإساءة إليهم أو منعهم من التعبير عنها، لذلك فإن التسامح لا يمكن أن يكون مرهونا بعدم استخدام الوسائل العنيفة. خاصة وأن طبيعة الخطاب واللغة تحمل في ذاتها عنفا كما سبق أن أشار إلى ذلك ليفيناس. والحكمة نفسها تتطلب من أصحابها التهكم والسخرية، هي تحتاج إلى رجل محارب بدون شفقة، يدمر القيم السائدة، قيم القطيع التي تؤسس للوجود من موقع الضعف. فيجب والحالة هذه الدفاع عن الحقيقة من موقع القوة والمرح والإقبال على الحياة، وتدمير القيم البالية وكل ما هو ضعيف في الإنسان. وما يبرر ذلك كله في فلسفة الأنوار هو الإنسان عند نيتشه، ولدى الفلاسفة المعاصرين هو الحقيقة كما عند ريكور، فالعنف ليس مجانيا، وهو يوظف لصالح القيم الأساسية لفلسفة الأنوار، وفي حدود المبادئ الديمقراطية الكلاسيكية.
عنف الخطابات وصراعها ليس ظاهرة تخص المجتمعات العربية بل هي مشتركة مع المجتمعات الغربية التي رغم تنظيرها للتسامح مند حركة التنوير إلى الفلسفات المعاصرة إلا أنها اعترفت بضرورة استمرار اللاتسامح. فإذا كانت الوسائل متاحة للجميع كي يعبر كل واحد عن آرائه، فإن هذه الآراء لا تترك بدون محاكمة، وخاصة أن النقد التدميري فعالية أساسية للعقل البشري، بفضله ينموا الحوار ويتكاثف. وإذا كان العنف في شكله البدائي غير رمزي لأنه يمس بلا استثناء جميع أفراد المجتمع، فإنه ووفق النظرية التي عرضها رونيه جيرارد يتحول تدريجيا ليصبح رمزيا، بحيث لا يمس إلا شخصا واحدا يقدم ككبش فداء. الهدف من وراء ذلك هو التخلص من استفحال العنف الفوضوي وتعويضه بالعنف الموجه والمنظم.
في المجتمعات الغربية والعربية تبقى نفس الممارسات مستمرة ولكن بشكل رمزي، فالصراع ليس صراع أشخاص ولكن صراع أفكار. إنه ولأول مرة في تاريخ البشرية يصبح الفكر مـن الـقيمة بحيث يكون جديرا بالنسيان الصراع من أجله، لقد سبق وأن بشر نيتشه بذلك، أي بما يجب أن يخوضه الإنسان من حروب من أجل المعرفة. هذه الحروب التي تحافظ على كل رمزيتها. إن أسلحتها هي بالتأكيد الحجج والبراهين التي بواسطتها يتم القضاء على الأوهام. يطرحLouis Vincent Thomas الفرق بين العنف البدائي والعنف الرمزي قائلا: << في الفعل الإجرامي فإن المذنب يعبر عما لا يستطيع صياغته لفظيا، معوضا هكذا عجز خطابه. بالعكس، فإن ممتلكي السلطة هم أبطال الكلمة. إن لديهم العقل والمعرفة.>>([37]). لذلك نتكلم عن عنف الخطابات أو العنف بواسطة اللغة. هذه اللغة التي تبقى رمزية، والرمز عند بول ريكور له ثلاث خصائص أساسية :
1/الرمز غير شفاف.
2/يبقى حبيس تعددية اللغات.
3/ لا يسمح بالتفكير فيه إلا بواسطة التأويل الذي يبقى إشكاليا، فلا أسطورة بدون تفسير ولا تفسير بدون اختلاف الآراء. لأنه لا توجد "هرمينوطيقا عامة"، أي ليس هناك نظرية عامة للتأويل، أو قنوات عامة للتأويل. يوجد فقط "هرمينوطيقات متناقضة". لكن هنا يكمن ضعفها وقوتها. يقول ريكور: << الهرمينوطيقات المتخاصمة تتمزق ليس فقط حول ازدواجية المعنى، ولكن حول طريقة انفتاحه وحول غاية الإظهار. هنا قوة وضعف الهرمينوطيقا. لأن الضعف يكمن عندما نمسك اللغة في اللحظة التي تهرب فيها عن نفسها، فإنها تأخذنا في اللحظة التي jنفلت فيها من المعالجة العلمية، والتي لا تبدأ إلا مع مسلمة انغلاق مجال الدال، وكل الضعف الآخر ينجر عن ذلك. وفي البدء فإن الضعف يعمل على تسليم الهرمينوطيقا إلى حرب المشاريع الفلسفية المتخاصمة. ولكن هذا الضعف هو قوتها، لأنه في المكان الذي تعود فيه اللغة إلى ذاتها، هو المكان الذي تكون فيه اللغة قولا.>>([38]). اللغة ليست شرطا لإظهار المعنى بل هي كذلك سببا في إخفائه. وتكون اللغة قولا عندما تظهر أن الموجود يوجد بأشكال مختلفة. لأن الموجود يتميز بالتشابه و اللايقين.
صراع التأويلات بالنسبة لبول ريكور لا يتم التحكم فيه وإدارته إلا في حالة ما إذا تمكن الفيلسوف من عدم الانخراط فيه، بأن لا ينظم علانية لأحد طرفي الصراع. يوجد في الغرب اتجاهين أساسيين: أحدهما يعمل على تدمير المعنى (ضد الدين) و والآخر يعمل على إحياء المعنى (رد الاعتبار للظاهرة الدينية). يقول ريكور: << الهرمينوطيقا مفهومة على أنها إجلاء وإعادة إحياء المعنى الموجه على شكل رسالة. ومن جهة أخرى فهي مفهومة على أنها إزالة الأخطاء وتقليص الأوهام .>>([39]) والأكيد أن بين هذين النوعين من الهرمينوطيقا صراعا حادا لا يمكن أن ننتصر لأحدهما على حساب الآخر، وكل ما يمكن أن نفعله هو أن نقف حكما بينها، ونحاول أن نركب بينهما، إن موقف التحكيم لا يعبر لا عن تسامح ولا عن لا تسامح، إنه موقف عقلاني ينظر للحياة نظرة عامة، مما يجعله يدرك قيمة كل الاتجاهات دون استثناء، مهما ظهر لنا أن أحدها على صواب والآخر على خطأ.
الهوامش والمراجع:


________________________________________
[1] حيرش بغداد محمد(1972)، ليسانس فلسفة من قسم الفلسفة بجامعة السانيا- وهران، 2003، ماجستير فلسفة حول القراءة النقدية للتراث وعائق التكفير- نصر حامد أبو زيد نموذجا-. يحضر حاليا رسالة الدكتوراه حول "حقيقة النزعة المثالية الألمانية". الخبرة المهنية: 12 سنة في التعليم الثانوي. حاليا باحث دائم بمركز للأبحاث في الأنتروبولوجيا الاجتماعية والثقافية(CRASC).
النشاطات العلمية: مقال في مجلة إنسانيات يصدرها .CRASC مشاركة واحدة في ملتقى وطني 2006. مشاركة واحدة في ملتقى دولي 2006.


________________________________________
[1] شعبان عبد الحسين – التسامح والنخب العربية – مجلة أبواب – العدد 13 –دار الساقي، بيروت –1997م. ص 105.
[2] المودودي أبو الأعلى-نحن والحضارة الغربية-دار الشهاب للطباعة والنشر-ب ط، 1988.ص213.
[3] Voltaire-Dictionnaire philosophique-Chronologie et préface par René Pomeau-Flammarion(Paris).1964. p362
[4] Lalande André-Vocabulaire technique et critique de la philosophie, Volume2- P.U.F-4emeedition,1997. p1133.
[5] Locke John-Lettre sur Tolérance-par:Raymond Polin-P.U.F-1ere edition, Septembre 1995. p31
[6] Ibid, p9.
[7] Gendran-Julie Saada-La tolérance"Textes choisis"- Flammarion (Paris) 1999. p137
[8] Ibid -p151
[9] Ricoeur Paul-Lectures 1-édition du Seuil-Novembre1991.p307.
[10] بدوي عبد الرحمان-ملحق موسوعة الفلسفة-م.ع.د.ن-ط1، 1996. ص59.
[11] Lagrée Jaqueline-La religion Naturelle-P.U.F-1ere édition, Mai1991 p71
[12] Girard René-La violence et le sacré- édition Bernard Grasset-1972. P 122
[13] Eliade Mircia-Le sacré et le profane-Gallimard.1965.p16
[14] Rousseau Jan-Jacques-du contrat social-S.N.E.D(Alger)-1980.p125
[15] Ibid – p 127.
[16]. Ibid – p 131
[17] Thies Laurent-L'edit de Nantes-Magazine Littéraire- ( Paris) N°363, Mars. 1998.p24
[18] Cassirer Ernest-La philosophie des Lumières-Traduit de L'Allemand et présenté par : Pierre Quillet. Fayard (Paris), 1966, p 183.
[19] Lagrée Jaqueline-La religion Naturelle-P.U.F-1ere édition, Mai1991 p96
[20] Belaval Yvon-Lumières (philosophie des)-Encyclopaedia Universalis,corpus14(France-Paris) 1990. p75.
[21]Eco Umberto -Définition de L'intolérance- Magazine littéraire (Paris)-n° 363, Mars 1998.p18.

[22] Gendran -Julie Saada -La tolérance"Textes choisis"- Flammarion (Paris) 1999. p161.
[23] بن عشور عياض- حقوق الإنسان: أي حق، أي إنسان؟- مجلة: الفكر العربي المعاصر-العدد 82/83. ديسمبر 1990. ص62.

[24] منصف بن دحمان – حقوق الإنسان والديمقراطية لمحمد سبيلا- مجلة: فكر ونقد- السنة الأولى، العدد4، ديسمبر 1997. ص 156.
[25] Lalande André -Vocabulaire technique et critique de la philosophie, Volume2-P.U.F-4emeedition, 1997. p1133

[26] Ricœur Paul - Lectures 1- Edition du Seuil, Novembre 1991. P 298.
[27] بدوي عبد الرحمن –ملحق موسوعة الفلسفة- ص58.
[28] إيكو أومبرتو -أين تقف حدود التسامح؟- مجلة: أبواب – العدد5، 1995.ص101.

[29] Misrahi Robert -Spinoza:Tolérance et Liberté - Magazine Littéraires (Paris)-N°363.Mars 1998.p27.
[30] Gendran - Julie Saada -La tolérance"Textes choisis"- Flammarion (Paris) 1999. p 13.

[31] Derrida Jaques -L'écriture et La différence - Collection" Tel Quel" Aux édition du Sueil.1967.p218.
[32]Levinas Emmanuel- Totalité et Infini - Kluwer Academic- Paris, 18 Janvier 1987.p 332.

[33] Levinas Emmanuel - Le temps et L'autre- P.U.F. 4emeédition, Décembre 1991. p25.
[34] Nietzsche. F -La généalogie de La morale- Textes et Variantes Etablis par:Giorgio Colli et Mazzino Montinari. Traduit de L'Allemand par: Isabelle Hildebrand et Jean Graiten-Gallimard-1971.p136.

[35] نيتشه فريديريك – العلم المرح- ترجمة حسان بورقيبة، محمد الناجي-إفريقيا الشرق-ب ط، 2000. ص55.
[36] هوفمايستر بيتر- فريديريك نيتشه" مغامرة التفكير" –مجلة فكر وفن-العدد73،السنة 38. 2001. ص57.

[37] Thomas Louis- Vincent -Mort et pouvoir- Payot, Paris, 1978,
[38] Ricœur Paul -Le conflit des interprétations- Edition du Seuil (Paris)-1969. P 68. P 176.

[39] Paul Ricœur- De L' interprétation- Edition du seuil.paris.1965.p35.36
السنة الخامسة: العدد 36: شتاء 2008 - 5th Year: Issue 36 winter
ENGLISH
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://philo-ethique.alafdal.net
 
حدود التســــــامح وعوائقه في الفلسفة الغربية الحديثة .حيرش بغداد محمد ج8
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
فلسفة الأخلاق :: مساهمات و توجيهات للباحثين :: مساهمات فكرية-
انتقل الى: