فلسفة الأخلاق

التسامح والمواطنة
 
الرئيسيةاليوميةس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 حدود التســــــامح وعوائقه في الفلسفة الغربية الحديثة .حيرش بغداد محمد ج4

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
Admin
Admin
avatar

عدد المساهمات : 82
نقاط التمييز : 32864
السٌّمعَة : 10
تاريخ التسجيل : 07/01/2009

مُساهمةموضوع: حدود التســــــامح وعوائقه في الفلسفة الغربية الحديثة .حيرش بغداد محمد ج4   الأربعاء مايو 13, 2009 12:59 pm

إن نظرية الدين الطبيعي التي أسس لها فلاسفة الأنوار لم تتحقق. لكن تواصل وجودها من خلال ظهور فئة من الناس يعتبرون أنفسهم مؤمنين، لكن غير ممارسين لطقوس العبادة. ويعنون بذلك أنهم يؤمنون بالله واليوم الآخر. بدون أن يستندوا في خطاباتهم إلى الكتاب المقدس أو أقوال المسيح. ويظهر تأثيرها كذلك في الفلسفة التي تراهن على قيمة العقل والحرية لمحاربة الشر. وهذا يتجلى في فلسفة الأخلاق عند كانط، أين يصبح الدين مجرد مسلمة من مسلمات العقل العملي. والرجاء قائم على نجاح هذه الأخلاق الجديدة، عن طريق جعل الإيمان داخل العقل. هكذا يستطيع الإنسان تجاوز ضعفه. هذا الضعف ليس ناتجا عن نقص الفهم، ولكن عن قلة القرار والشجاعة في استعمال الفهم الخاص، عندما نكون تحت توجيه الآخر. الدين ليس شيئا نخضع له، بل يجب أن ينبع من العقل ذاته. لا يجب أن يسيطر الدين على الإنسان كقوة أجنبية بل لا بد أن يكون نابعا من حريته الداخلية. وأمام هذا الدين الطبيعي ليس المسيحيون والمسلمون إلا ملحدين ومنحرفين. والحجة أن كل الأديان يمكن أن تنتهي ما عادا الدين الطبيعي كما يرى ديدرو. يقول كاسيرر: << كل ما له بداية سيكون له نهاية، وكل من لايكون له بداية لا ينتهي أبدا.لكن المسيحية لها بداية،واليهودية لها بداية، ولا يوجد أي دين على الأرض لا ُيعرف زمن بدايته، ما عدا الدين الطبيعي. إذا هو الوحيد الذي لن ينتهي أبدا، وأن الآخرين سيمضون.>>([18]). هل يمكن التفكير في منشأ الدين الطبيعي في حدود الأسباب العقلانية والأخلاقية؟ وهل يمكن لهذا الدين أن يخلد بدون طقوس العبادة؟
ليس الفكر والإرادة الأخلاقية هما اللذان كونا الأديان، ولا هما اللذين قاما بتغذيتها. فالإنسان اقتيد بالأمل والخوف إلى الإيمان. وهذا هو الأساس الأنتروبولوجي للدين، ومن هنا التناقض بين الدين الطبيعي ذو الأساس الفلسفي، والديانات الأخرى ذات الأساس المتعالي. وباختصار التناقض بين الفلسفة والدين. الإنسان الذي يعتقد في دين الوحي هو غير متسامح بالضرورة، لأنه يستمد الحقيقة من مصدر فوق إنساني موثوق فيه. أما الدين الطبيعي فهو ينتمي إلى مرحلة العقل النقدي، أي العقل الذي يضمن ذاته بذاته، ضمن الحدود التي وضعها لنفسه، حدود ما يمكن البرهنة عليه وما لا يمكن إلا التسليم به فقط. ومن الضروري أن يكون الفيلسوف متسامحا لأن الحقيقة بالنسبة إليه موضوع بحث مستمر. يقول جون لاغري : << يجب على الفيلسوف أن يكون متسامحا مع التصورات الأخرى. لأنه يعلم كل تفكير مشكوك فيه وموضوع للمراجعة. أما إنسان دين الوحي هو بالضرورة لا متسامح في موضوع الاعتقاد...>>([19]).
إن التسامح المؤسس له من طرف فلاسفة الأنوار يشترط مجموعة من الانفصالات الأساسية: كالفصل بين الشأن العام والشأن الخاص.الفصل بين الكنيسة والسياسة عند لوك. الفصل بين الفعل والتفكير عند سبينوزا. الفصل بين الفلسفة والدين، أو بين الأخلاق والدين عند كانط. ولكن هذا التسامح فرضته ضرورة تاريخية متمثلة في حالة الصراع والعنف التي عرفتها أوروبا.و التي كادت أن تهدد وجودها. وظهوره كان مترافقا مع ظهور النظام الاقتصادي الليبرالي، والدعوة إلى القيم الديمقراطية الأساسية. وخاصة الحرية التي امتدت إلى المعتقدات الدينية. ومناقشة مفهوم التسامح أو محاولة التأسيس له كانت تثير دائما المسألة الدينية.انطلاقا من العلاقة الموجودة بين العقل والدين، الإنسان والله، النسبي والطلق، النور الطبيعي والنور فوق الطبيعي. ولم يكن هدف هذه النقاشات القضاء على الدين، أو إقصاءه من الحياة الاجتماعية والسياسية، بل هناك تأويل للدين بما يتوافق مع متطلبات اللحظة التاريخية. يقول فون بلافال: << إذا كانت فلسفة الأنوار تأخذ كل الأشكال وتتطرق لكل الاختصاصات، انطلاقا من النور الطبيعي، فإنه يبقى لها أبعادا دينية وأخلاقية حتى في تجلياتها الأكثر لائكية.>>([20]). وكما يرى كاسيرر أن ما يعارض الإيمان ليس عدم الإيمان. ولكن الخرافة التي تقف في وجه التقدم العلمي، والجهل الذي يريد أن يفرض نفسه كحقيقة. بحيث يسقط الفكر في أخطاءه ذاته، ويبقى سجينا دائما لها. ليس كما لو كان وهما لا إراديا بل بطريقة إرادية. وهذا ما أدى إلى ظهور الهرمينوطيقا التي تهدف إلى إزالة الأوهام (La démystification).


يظهر مفهوم التسامح الذي أسس له فلاسفة الأنوار مليئا بالقيم الإنسانية الإيجابية، ووسيلة للحفاظ على الأمن الاجتماعي، وحماية الحريات الفردية، وضمان حقوق الأقليات الدينية، واستثمار الخطابات المتعددة. وفي المقابل يظهر مفهوم اللاتسامح كمصدر لكل الشرور والصراعات المدمرة، وهو على رأس القيم السلبية التي حددها روسو. يقول أومبرتو إيكو: << الأصولية، التطرف،التعصب شبه العلمي: كلها مواقف نظرية تتطلب مذهبا، أما بالنسبة للاتسامح، فإنه يفحص خارج كل مذهب، إنه أكثر خطورة لأنه يولد من الغرائز الأولية.>>([21]). إن الصياغة النظرية للمواقف الأكثر تطرفا تقلل من تطرفها، لأنها تستلزم تدخل العقل والتفكير اللذين يحدان من المشاعر العدوانية اتجاه الغير. أما اللاتسامح فهو لا يستند ولا يقوم على أي مذهب، بل فقط ينبع من الغرائز الأولية التي تجعل منه أكثر خطورة. وتجعل الحوار مع ممثليه غير ممكن، لأنه لا يقدم لنا تصوراته على شكل أفكار منظمة يمكن مناقشتها. ويرى أومبرتو إيكو كذلك أن اللاتسامح له جذور بيولوجية، فالإنسان بطبيعته عدواني وعنيف وسلوكه قائم على ردود فعل انفعالية تكون في غالب الأحيان على ملاحظات سطحية. إننا لا نحب الذين يكونون مختلفين عنا، لأن لديهم لونا آخر للبشرة، أو لأنهم يتكلمون لغة لا نفهمها.
هل يمكن حصر الفرق بين التسامح واللاتسامح بإرجاع التسامح إلى الجانب المضيء للإنسان، وإرجاع اللاتسامح إلى ذلك الجزء المظلم فيه؟ هل يخلو اللاتسامح من كل قيمة إيجابية، وهل يمكن إنتاج خطاب بدون اللجوء إلى العنف كأحد أشكال اللاتسامح؟


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://philo-ethique.alafdal.net
 
حدود التســــــامح وعوائقه في الفلسفة الغربية الحديثة .حيرش بغداد محمد ج4
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
فلسفة الأخلاق :: مساهمات و توجيهات للباحثين :: مساهمات فكرية-
انتقل الى: