فلسفة الأخلاق

التسامح والمواطنة
 
الرئيسيةاليوميةس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 حدود التســــــامح وعوائقه في الفلسفة الغربية الحديثة .حيرش بغداد محمد ج3

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
Admin
Admin
avatar

عدد المساهمات : 82
نقاط التمييز : 32864
السٌّمعَة : 10
تاريخ التسجيل : 07/01/2009

مُساهمةموضوع: حدود التســــــامح وعوائقه في الفلسفة الغربية الحديثة .حيرش بغداد محمد ج3   الأربعاء مايو 13, 2009 12:57 pm

ما يهم أكثر في هذا الجدول هو ومعرفة لماذا هناك هذه العلاقة بين الأضاحي والتسامح في الديانة الوثنية؟ ولماذا الديانة التوحيدية غير متسامحة في حين أن الديانة الطبيعية عكس ذلك؟
إن هناك تلازم حقيقي بين طقوس التضحية. وما ينتج عن ذلك من قيم التسامح في المجتمعات البدائية، التي عرفت ظاهرة العنف بالشكل الذي كاد أن يقضي على وجودها. وبالنسبة لـ "روني جيرارد" فإنه يرى أنهم تمكنوا من تجاوز ذلك عندما حولوا ذلك العنف إلى ضحية محايدة، أصبحت مقدسة. لأنها سمحت للمجتمع باستعادة أمنه، بواسطة جريمة قتل لا يمكن الانتقام لها. فحصل بذلك توجيه للعنف وتنظيمه من خلال احتفالات، يتم التضحية فيها بإنسان أو حيوان. يقول: << التوجه العام للفرضية الحاضرة يظهر جليا، أن كل مجتمع يكون ضحية العنف أو متأثر بكوارث ولا يستطيع التخلص منها، فإنه يرتمي إراديا في بحث أعمى عن "كبش الفداء"، أين يبحث بطريقة غريزية عن علاج آني وعنيف للعنف غير المطاق. الناس يريدون أن يقتنعوا أن آلامهم مرجعها مسؤول وحيد،يمكن التخلص منه بسهولة.>>([12]). فلا يمكن التخلص من العنف المنتشر داخل المجتمع إلا بإيجاد مسؤول وحيد عنه، يكون من الضروري معاقبته. وذلك فرصة لممارسة العنف الاجتماعي الموجه بشكل منظم نحو فرد واحد أو حيوان واحد. فطقوس التضحية تخلص المجتمع من مسؤوليته، وتمكنه في نفس الوقت من ممارسة العنف. فيأخذ بذلك "كبش الفداء" كل الاحترام والتقدير والتقديس. ومرافقة الاحتفالات كجو عام يحيط بطقوس التضحية، يدل على تخلص المجتمع من أعبائه الثقيلة. وبالتالي إمكانية قبوله على الحياة بمرح وسعادة. وفي نفس الوقت فإن قتل ما يعتبر مقدسا هو "خرق للطابو". والاحتفال يدخل ضمن الحيل والوسائل التي بواسطتها نتأسف له ونطلب عفوه ورضاه. وعند فرويد فإن الإنسان – الحيوان، أو الوحش الطوطمي يعتبر كجد أو قاضي وقائد للقبيلة. بدون أن يتوقف على أن يكون الضحية المقتولة من طرف أفراد قبيلته. وهذا يدل على أن تطهير المجتمع من العنف لا يكون بأية ضحية كانت، بل لا بد لها أن تكون ذات قيمة (القوة - المعرفة). كي تكون في مستوى الحدث الاجتماعي. يقول مارسيا إلياد: << بالنسبة "للبدائيين"،كما بالنسبة لكل إنسان مجتمعات ما قبل الحداثة، فإن المقدس يعادل القوة، وبشكل قطعي الواقع بامتياز.>>([13]). هذه القوة التي يتميز بها المقدس، تمنح المجتمع القوة كذلك عندما يتجاوز أشكال العنف والانقسامات الداخلية. إن التسامح الذي يظهر في مثل هذه المجتمعات، هو التخلي عن استعمال وسائل العنف الفوضوي الموجهة نحو بعضهم البعض بطريقة فوضوية.
المقاربة التي يضعها دافيد هيوم بين طقوس الإذلال واللاتسامح في الديانات التوحيدية. فهي ناتجة عن الممارسات الموجهة نحو الجسد كمصدر للشرور. فالتكفير عن الخطيئة لا يكون إلا بواسطة إهانة الجسد وإذلاله، بإزالة كل أثر للذة، من أجل تطهير النفس. فالعلاقة التي يقيمها الإنسان مع جسده في مثل هذه الطقوس، تتميز باللاتسامح والعنف، وتجعل الإنسان في تناقض مع ذاته. بالإضافة إلى العنف الموجه نحو باقي أفراد المجتمع، والذي يرجعه روسو إلى الانقسام الحاصل بين النسق اللاهوتي والنسق السياسي. مما كان سببا في تهييج الشعوب المسيحية. ورأى أن الإسلام استطاع أن يوحد بين النسقين، إلى أن اختلط العرب المسلمين بالشعوب الهمجية فبدأ الانفصال بين السلطتين. يقول: <<كان لمحمد رؤى جد طاهرة، لقد وحد نسقه السياسي، وإلى أن تواصل شكل حكومته مع الخلفاء التابعين، فإن هذه الحكومة بقت بالضبط واحدة، وخيرة لذلك. لكن العرب عندما أصبحوا مزدهرين، متعلمين، متأدبين، لينين وجبناء وقعوا تحت غواية الهمج، عندها بدأ الفصل بين كلا السلطتين من جديد وإن كان أقل بروزا عند المحمديين منه عند المسيحيين...>>([14]). هذا الربط بين الانفصال بين السلطتين والانتقال إلى المرحلة الثقافية. يبين أنه في المرحلة الروحية هناك سيطرة تامة على الغرائز. عكس المرحلة الثقافية التي يكون فيها العقل أقل تحكما في الغرائز كما رأى ذلك مالك بن نبي.
الحل عند روسو هو رد كل شيء إلى الوحدة السياسية التي تعطي التأسيس السليم لأية حكومة. ومن أجل ذلك لا بد من نقد الأشكال الدينية التقليدية الثلاث. ومنها دين الإنسان ودين المواطن. فالأول يتميز بالبساطة ولا يلتزم طقوس العبادة المعقدة. أما دين المواطن فهو يختلف من أمة لأخرى من حيث الطقوس والعادات المسجلة بواسطة القوانين. وكل أمة ترى أن ما عدا هذه الطقوس يعتبر خيانة. إن دين الإنسان يركز على ما هو جوهري وداخلي. ويقدم روسو شكلا ثالثا من الدين هو الدين الوثني، فهذا الشكل يجعل الناس أمام واجبات متناقضة فيمنعهم من أن يكون مؤمنين ومواطنين في نفس الوقت. ينتقد روسو هذه الأشكال الثلاث، فهو ينتقد الدين المسيحي في كلا مظهريه: دين المواطن ودين الإنسان. فدين المواطن يجعل من الشعب دمويا وغير متسامح ويضن أنه يقوم بأفعال مقدسة بقتل أيا كان لا يقبل معتقداته. أما دين الإنسان الذي لا يبحث إلا عن الأهداف الروحية، وهو لا يستطيع تحقيق ذلك. لأن فكرة الكمال وإن تحققت ستفقد كل صلة مع الواقع، فالكمال عامل تدمير. إن مجتمع من المسيحيين الحقيقيين لا يمكن أن يكون مجتمع رجال. بالإضافة إلى أن الحياة الدنيوية لن يكون لها في نظرهم أي ثمن. أما الديانة الوثنية فإنها تجعل الإنسان لا اجتماعيا بالانقسامات التي تحدثها داخل المجتمع. يقول روسو في نقده لهذه الأشكال الثلاث:<< بالاعتبار السياسي لهذه الأشكال الثلاث من الدين، فإن لكل واحد منها عيوبه...... .كل ما يفقد المجتمع وحدته الاجتماعية لا يساوي شيئا. كل المؤسسات التي تضع الإنسان في تناقض ذاته لا تساوي شيئا.>>([15]). ولتجاوز ذلك يقترح روسو "الدين المدني" في إطار الوحدة السياسية، بحيث يكون للحاكم حق تحديد قواعده، ليس كمعتقدات دينية ولكن كإحساس اجتماعي. يهدف إلى تكوين مواطنين فاضلين ورعايا طائعين، وبدون أن يرغم أي شخص على التصديق بها. لكن يحق للدولة إقصاء ونفي من لا يؤمن بها، ليس باعتباره ملحدا،ولكن باعتباره شخص غير اجتماعي. إذا فإن روسو يهدف إلى إرجاع السلطة الدينية إلى السلطة السياسية، وفي الوقت نفسه يجردها من طابعها الديني، ويصبغها بالأهداف الاجتماعية المتمثلة في حفظ أمن المجتمع، والمحافظة على وحدته، وطاعة القوانين المدنية أخيرا.
إن معتقدات الدين المدني عند روسو لا تتجاوز الاعتراف بوجود إله قوي، ذكي محسن، متنبئ... والإيمان بالحياة الآخرة، الثواب العادلين وعقاب الأشرار، قداسة العقد الاجتماعي والقوانين. والتي يسميها روسو "بالاعتقادات الإيجابية". وفي المقابل هناك "الاعتقادات السلبية "ويحددها في واحدة فقط قائلا: <<...وفيما يخص الاعتقادات السلبية، فأحددها في واحدة فقط.هي اللاتسامح، فهي تدخل ضمن المعتقدات التي أقصيناها.>>([16]). إن المجتمع المؤسس على اللاتسامح الديني يؤثر على الحياة المدنية. بأن يجعل رجال الدين هم المتحكمين الفعليين فيها. فتصبح الكنيسة هي الدولة. ويرى روسو أن هناك إمكانية للتسامح الديني داخل مجتمع الدين المدني، إذا كانت معتقدات الديانات الأخرى تتسامح مع الآخرين ولا تتناقض مع واجبات المواطن. إن ما يهم روسو هو تحقيق الوحدة السياسية داخل المجتمع، وذلك بأن تكون القوانين والتشريعات نابعة من المجتمع ذاته لا من سلطة خارجية. وما دامت المعتقدات لا تتناقض مع قوانين الاجتماعية، فيمكن القبول بها داخل المجتمع. إنها فلسفة لا تقضي على الدين بقدر ما تحاول إزالة الصراعات الاجتماعية الناتجة عن اللاتسامح الديني. والفصل بين السياسة والدين يدخل ضمن تجريد رجال الدين من الوسائل المادية التي تستخدم لتكريس اللاتسامح والعنف. والمناداة بالدين المدني هو محاولة لتجاوز الأشكال الدينية التقليدية، وإضفاء البعد الديني على السياسة لألا توصف بالإلحاد. لكن الدين المدني لا يحدد إلا قواعد الاعتقاد العامة والمشتركة، التي لا تتناقض مع القوانين والقواعد الاجتماعية. لذلك فإن الدين المدني له نظرة إيجابية إلى السياسة والفلسفة، لأن الفلاسفة هم اللذين أسسوا له نظريا، والسياسيون هم اللذين أعلنوه عمليا.
يمكن العودة تاريخيا إلى "اتفاق نونت" (L'édit de Nantes) الذي بفضله تم التمييز بين الدائرة السياسية والدائرة الدينية. وأمكن بواسطته لدينين ولكنيستين من التعايش داخل الدولة، بعد أن كادت الحروب الدينية في نهاية سنة 1590م في فرنسا أن تؤدي إلى تفكك المجتمع. بالإضافة إلى الحروب الخارجية. يقول لوران تياز<< إنه للمرة الأولى والوحيدة في تاريخ النظام الفرنسي القديم. دينين، وكنيستين يتعايشان رسميا في حضن الدولة والمجتمع، وهذا ناتج عن حرية الإيمان المعترف بها ضمنيا والمعلن عنها في"الوئام، الأمـان، والراحة".>>([17])، وهذه التصورات المختلفة حول التسامح وشروطه هي التي تعطي الطابع اللائكي لفلسفة الأنوار.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://philo-ethique.alafdal.net
 
حدود التســــــامح وعوائقه في الفلسفة الغربية الحديثة .حيرش بغداد محمد ج3
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
فلسفة الأخلاق :: مساهمات و توجيهات للباحثين :: مساهمات فكرية-
انتقل الى: