فلسفة الأخلاق

التسامح والمواطنة
 
الرئيسيةاليوميةس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 حدود التســــــامح وعوائقه في الفلسفة الغربية الحديثة .حيرش بغداد محمد

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
Admin
Admin
avatar

عدد المساهمات : 82
نقاط التمييز : 32274
السٌّمعَة : 10
تاريخ التسجيل : 07/01/2009

مُساهمةموضوع: حدود التســــــامح وعوائقه في الفلسفة الغربية الحديثة .حيرش بغداد محمد   الأربعاء مايو 13, 2009 12:54 pm

ملخص:
في لحظة من التفاؤل والنشوة يمكن للإنسان وبكل سهولة أن ينجر وراء مطلب التسامح، بحيث يرى فيه المخرج من جميع الصراعات والأزمات التي تعرفها المجتمعات اليوم. إن الملاحظة الأولية تبين أن التسامح من الفضائل العظمى التي لا يمكن للإنسان أن يستغني عنها، ولكن مطلب التسامح كما أسست له الحضارة الغربية المعاصرة يطرح عدة تساؤلات، أبسطها: هل من الممكن التسامح مع غير المتسامحين؟ لقد أدرك المفكرون الغربيون صعوبة هذا المطلب، وأنتجوا خطابا حول اللاتسامح كرد فعل على خطاب التسامح. وها نحن اليوم وبسبب العنف المستفحل في مجتمعاتنا نفكر في التسامح مستعدين لأن نقمع كل من يقف في طريقنا، مما يدل أننا سواء وقفنا مع هذا الخطاب أو ذاك فإننا بشكل أو بآخر نمارس العنف والاضطهاد، فأي عنف "مشروع" يكون مفيدا لنا؟
يقول عبد الحسين شعبان: << إن غياب التسامح يعني انتشار ظاهرة التعصب والعنف وسيادة عقلية التحريم أو التجريم، سواء على الصعيد الفكري أو السياسي أو الاجتماعي أو الثقافي أو ما يتعلق بنمط الحياة ...>> ([1]) يتم إنتاج الخطابات اليوم في ظل صراع التأويلات والعنف الموجه نحو الأجساد والأفكار. فمن جهة هناك خطاب يدعي الاستناد إلى سلطة العقل وحق التفكير الحر ويعطي لمشروعه قدرا من التنوير. ولا يتردد مع ذلك في تسفيه الخطابات المناقضة واصفا الخطاب السلفي بالظلامية. يقول المودودي: <<"الرجعية الدينية "في مصطلح عصرنا الجديد عبارة عن مركب حاد من ضيق النظر وإظلام الفكر والجهالة والسفاهة والنزوع إلى القديم.وبكلمة أخرى إن المسلم الراسخ الاعتقاد المتبع للشريعة اسمه في المصطلح العصري "رجل الدين الرجعي".>>([2]). ومن جهة أخرى هناك الخطاب السلفي الذي يدعي الاستناد إلى سلطة النقل والوحي. ولا يتردد هو كذلك في إقصاء الخصوم من الحياة الفكرية والاجتماعية، واصفا إياهم بالكفر والجهل بعلوم الدين.
إن خطاب نصر حامد أبو زيد ينتج بفضل هذا الصراع ولأجله. فهناك محاولة مستمرة لتجريد الخطاب السلفي من كل مرتكزاته الأساسية، التي تأخذ مكانة المقدس. كتجريدهم من النص الديني بإرجاعه إلى جملة من الشروط الاجتماعية والتاريخية. وتجريدهم من السلطة السياسية بنقد "الحاكمية" كما تصورها المودودي وسيد قطب وحسن البنا. وإرجاع الممارسة السياسية إلى الفاعلين الاجتماعيين. وتجريدهم أخيرا من الحقيقة المطلقة، فكل شيء نسبي بما في ذلك الواقع المادي والاجتماعي الذي لا يمكن معرفته وإدراكه إلا بالوسائل العلمية، بهدف اكتشاف قوانينه. وحتى العالم الميتافيزيقي نسبي، لأن كل الأوصاف الدالة عليه في النص الديني لا يمكن أخدها على حقيقتها بل هي قابلة للتأويل.
من أجل تجاوز هذا الوضع لا بد للتأسيس للتسامح فلسفيا وسياسيا ودينيا. فما هو التسامح، وما هي حدوده القصوى؟
1- التسامح في ظل التصورات الليبرالية الكبرى:
في كتابه "المعجم الفلسفي" يتساءل فولتير عن مفهوم التسامح. ويجيب قائلا:<< ما هو التسامح؟ هو خاصية الإنسانية،فنحن كلنا معجونون من ضعف وأخطاء، لنتسامح مع بعضنا البعض عن تفاهاتنا،هذا هو القانون الأول للطبيعة.>>([3]). إن استقصاء الطبيعة الإنسانية واكتشاف ما تحتويه من إمكانية الظلال والزيغ. يجعل القول بالتسامح ضرورة طبيعية، وأن تعميمها يضمن لكل واحد الاستفادة منها. لأن لا أحد محمي من الوقوع في الخطأ. ويقف فولتير ضد اضطهاد الذين يحملون آراء مخالفة، ويشبه من يضطهد الآخرين بأنه وحش. ولا يمكن تجاوز التعصب الديني ووحشية الإنسان إلا بالتسامح، فهو العلاج الوحيد للانقسام الذي تعرفه الكنيسة مند أمد من القرون.
التسامح لا ينفصل عن مبدأ الحرية، لأنه حسب تعريف لالاند هو:<< قابلية للفكر أو لقواعد التصرف في ترك لكل واحد الحرية في التعبير عن آراءه عندما لا نقاسمه إياها.>>([4]). فلا أحد يملك الحقيقة المطلقة التي تخوله حق رفض التحاور مع الآخرين. إن مبدأ نسبية الحقيقة، وتطور فهمنا وإدراكنا لها ينزع من ذواتنا كل تعصب للحقيقة. هذا الترابط بين التسامح والحرية يؤكد على الترابط بين التسامح والتصورات الليبرالية الكبرى. وخاصة حرية المبادلة التي تحمي الفرد من التدخلات غير الملائمة للدولة أو للمؤسسات المدنية والدينية في الشؤون الخاصة، وفي آراء المواطنين. وقد تم الانتقال من المستوى الاقتصادي للمبادلة إلى المستوى الاجتماعي والسياسي من خلال تعميم تبادل الأفكار والآراء. فأصبح التسامح بهذا المعنى هو السماح بهذا التبادل لما ينتج عنه من منافع فردية (إمكانية ممارسة كل فرد لحريته). فقيمة الحقيقة لا تكمن في ذاتها "الحقيقة من أجل الحقيقة" أو في إطلاقيتها وشموليتها بل في منافعها وأثارها العملية.
إن الفصل بين "الشأن العام" و"الشأن الخاص" يعتبر من أهم مكاسب الليبرالية. وذلك بإقامة الحدود الفاصلة بين النشاط الاقتصادي والنشاط السياسي، فالأول شأن خاص لا يحق للدولة التدخل فيه. فلا بد أن تتركه يتحرك وفق قوانين السوق الطبيعية، التي تتحدد بواسطتها كل الأنشطة الاقتصادية. وحتى طرق التفكير والمعتقد تعتبر شأنا خاصا، وكل من يظهر رأيا مخالفا للمعتقدات الدينية السائدة لا يحق للكنيسة معاقبته. لأن العقاب وظيفة من وظائف مؤسسات الدولة. وبالإضافة إلى الفصل بين الشأن الخاص والشأن العام، هناك فصل آخر بين الدولة والكنيسة. وهذا ما دعى جون لوك إلى اعتبار الدين شأنا خاصا، وبالتالي ضرورة الفصل بين الدولة والكنيسة قائلا: <<لا بد لنا من اعتبار أن واجب التسامح يتطلب من اللذين يتمايزون عن بقية الجماعة، اللائكيين كما يحبوا أن يقولوا ...مهما يكن مصدر سلطتهم، وبما أنها كنسية، يجب عليها أن تمارس داخل حدود الكنيسة، ولا يمكنها أن تمتد بأي طريقة كانت إلى القضايا المدينة..>>([5]). ومن الحجج التي يقدمها لوك لتبرير هذا الانفصال هي أن الدولة تهتم بما هو زمني. أما الدين فيهتم بالخلاص الروحي لأتباعه. ولا يمكن للدولة أو رجال القانون مهما فعلوا أن يحققوا ذلك. لأن ذلك لا يتحقق بقانون أو مرسوم، أو بالعنف الذي يمكن أن تمارسه السلطة المدنية على أفرادها ومواطنيها. بل التأمل الفردي هو وحده القادر على ذلك. ولنفترض أن السلطة السياسية تلجأ إلى الإرغام من أجل فرض هذا المعتقد أو ذاك، فإن هذا يؤدي إلى نتيجتين:
أ‌. إما أن الرعايا سيقتنعون بمحض إرادتهم بهذه المعتقدات. وبالتالي فإن اللجوء إلى الإرغام لن يكون مفيدا.
ب‌. وإما أن لا يقتنعوا. وبالتالي فإن أي لجوء إلى القوة لن يغير آراءهم. لأن أفكارهم ليست خاضعة لسلطة أحد. لذلك فإن وظيفة الحاكم السياسية تتمثل في تحقيق المنافع المدنية. وإن حصل وأن تم ترسيخ أن المعتقد شأن خاص. فلا مانع بعد ذلك أن يسعى الناس إلى تكوين جماعات دينية، لمال هذا العمل من المزايا، لها علاقة بالإعلان. فالله جدير ويستحق أن نعلن حبنا له، وعدم خجلنا من ممارسة طقوس العبادة أمام الناس أو معهم.
يظهر من خلال رسالة لوك أن التسامح ليس مطلقا، ولا مفتوحا على كل الجماعات ذات الانتماءات الدينية المختلفة. بل يكون داخل الدين الواحد. وعندما يحدث وأن يقدم الناس تصورات أو تأويلات مختلفة لكن متطابقة مع الإنجيل والعقل، فكل من يبقى داخل هذه الحدود من الواجب التسامح معه. لأن النص الديني متعدد المعاني، وهناك ما يتمسك بحرفيتها ولا يتجاوزها. وهناك من يتجاوزها لصالح معاني أخرى أكثر عمقا. وقد فسر لوك ظاهرة الإلحاد (L’hérésie) بأنها الانقسام داخل الدين، بسبب محاولة البعض تقديم فهم لا يتطابق مع النصوص الحرفية لذلك الدين. حيث يقول: << فالتسامح يكون إتجاه من يملكون آراء دينية مختلفة لكن متطابقة مع الإنجيل والعقل.بحيث تظهر كجريمة من طرف الرجال اللذين لا يستطيعون الرؤية في هكذا نور.>>([6]). وهذا النور يتمثل في أنه رغم اختلاف بعض الآراء الدينية، إلا أنها تكون متطابقة مع العقل والإنجيل. كالاختلاف بين البروتستانت والكاثوليك والأرثوذكس. فالتسامح عند لوك يكون اتجاه تلك الانقسامات التي عرفتها المسيحية. لم يكن في وسع السلطات السياسية أن تستمر في عدم تسامحها مع الأديان الأخرى داخل الدولة، وفقا للقاعدة التي تقول:" الناس على دين ملوكهم". والتي سادت في العصر الوسيط وأوائل العصر الحديث حتى القرن الثامن عشر. فالأساس الديمقراطي الذي قامت عليه المجتمعات الأوروبية المعاصرة يعتبر الدين شأنا خاصا، يقع خارج حدود الإجماع أو الانتخاب. فلا يمكن بالإجماع اختيار دين المجتمع، لأنه في هذه الحالة سيتم الأخذ برأي الأغلبية وإرغام الأقلية على ذلك. وهذا يمثل مساسا بالحريات الفردية وخاصة حرية المعتقد.
إن التمييز بين الخاص والعام ليس دائما أكيدا. إمكانيات التداخل بينهما واردة، عندما يتقاطع الزمني والدنيوي مع اللازمني والروحي. لأن كلاهما يسكنان كائنا واحدا هو الإنسان. والدين يصبح شأنا عاما في مثل هذا التداخل. تقول جولي سعادة شارحة روسو:<< فحرية المعتقد يمكنها أن تكون مضرة للسلم المدني والنظام السياسي يحتاج لمعتقد اجتماعي مشترك وبخلاف لوك فإن روسو لا يضع الدين في دائرة الخاصة، فالدين شأن عام.>>([7]). فكل معتقد وكل دين يحمل معه جملة من التصورات حول الحياة والموت. ويدعو إلى أسلوب في العيش، وطريقة في التعامل مع الآخرين. وإذا حدث وأن تعددت أو تناقضت هذه التصورات داخل المجتمع الواحد هدد ذلك وحدته وتماسكه. لذلك يجب أن يكون لكل مجتمع دين واحد فقط سماه روسو "الدين المدني"، وهو ليس الدين الخاص أو الفردي ولكن العام والاجتماعي. وهو يؤدي إلى الشعور بالوطنية، وللدولة الحق في إقصاء ونفي من لا يشارك فيه كأمثال الملحدين اللذين لا يمكنهم أن يكونوا مواطنين صالحين.وحتى سبينوزا ليس من دعاة الفصل بين السياسي والديني. لأن السماح بمأسسة سلطة روحية مستقلة ومنفصلة عن الدولة، يعود في الأصل إلى إنشاء دولة داخل الدولة. وبالتالي إفلاس السيادة.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://philo-ethique.alafdal.net
 
حدود التســــــامح وعوائقه في الفلسفة الغربية الحديثة .حيرش بغداد محمد
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
فلسفة الأخلاق :: مساهمات و توجيهات للباحثين :: مساهمات فكرية-
انتقل الى: