فلسفة الأخلاق

التسامح والمواطنة
 
الرئيسيةاليوميةس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 ومَنْ قال أنَّ الإنسان المحاور لن ينتصر في النهاية؟

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
شريف الدين

avatar

عدد المساهمات : 42
نقاط التمييز : 32360
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 23/01/2009
العمر : 52

مُساهمةموضوع: ومَنْ قال أنَّ الإنسان المحاور لن ينتصر في النهاية؟   الأحد يوليو 11, 2010 1:52 am

ومَنْ قال أنَّ الإنسان المحاور لن ينتصر في النهاية؟
د. عبدو قاعي*

سهيل فرح هو في هذا الكتاب حوار الحضارات:المعنى، الأفكار، التقنيّات أكثر من قارئ وكاتب عن الحوار، هو محاور حقيقيّ، وهذا ما يجعل منه أديبَ فعليَّ، لأنّ المحاورَ هو الأديب، والحوارُ هو فنُّ الأدب الإنساني
هو كتابٌ ينقلُ مسرحَ الحوار إلى أرض الكلمة فيعلِّمنا أنَّ الحوار الحقّ يسعى لبناء عالم متنوّع يغتني بثقافاته المتعدِّدة.
وإذا بي أرى الكاتب يتساءل، هل إنّ الكلمة هي بنيةٌ جامدة تؤدّي إلى التعصُّب، أم إنَّها أقنومُ حياةٍ في مسار خلقٍ دائمٍ، فيشكِّلَ هكذا تنوُّعُها مصدراً ديناميّاً للحركة المستمرَّة، حركةِ الحياةِ الاقتصادية والأخلاقيَّةِ والروحيَّة ؟
وأحسبني أشعر بالكاتب يتكلَّم عن الثقافة كتجسَّداتٍ رمزيَّةٍ لتعبير الكلمة، وكأنَّ هذه الثقافة هي المكوِّن الأساسيّ للحضارة، من حيث كونها مع مثيلاتها من الثقافات المشابهة لها في توجّهاتها الروحيّة والتاريخيّة هذا الإنبناء الدائم لتوجّهات القيم والمواقف والسلوكيّات والمعارف المحدَّدة لتشكُّلات هذه الحضارة.
وإذ بي أراه يحاول، من هذا المنطلق، أن يتحدّى الاتجاه الحواري القائم حاليّاً، والقاضي بتثبيت مرتكزات الثقافات المكوِّنة لحضارة التكنولوجيا الغربيّة المعاصرة، بمقابل الثقافات التي كانت وراء نشأة الحضارات الإنسانيّة الأخرى عبر الزمن.
إنّي أتحسّسه هكذا يواجه هذا المنحى الآحادي بكلّ عناد، فأجد، أنّ في هذا العناد، تولَّدت لديه القيمة المضافة لمعنى الحوار ولمآله، هذه القيمة التي يُضفيها على هذا الكتاب بحثاً وحواراً؛ فإذ به في هذا البحث والحوار يعمل على التدقيق في مجالات الحوار في سبل إعادة طرحٍ جذريّةٍ للشروط والمسارات المعتمدة لتحقيقه.
وأنا أتابعه في هذا المشوار، أكتشف معه أنّ الحوار هو حياةٌ وطاقةٌ إيجابيّةٌ للتعاون بين الجماعات الذين فرَّقتهم المنطقيّات المختلفة المتلحِّفة برموز وعلامات متفارقة، كون هذه المنطقيّات تعود إلى تجارب حياةٍ سابقة، فيها ما فيها من العدائيّات والمرارات والحروب التي فَصَلَت بين الناس. وأكتشف خاصّة أنّ هذا الحوار/ الطاقة الإيجابيّة، هو ما ندعوه بحوار الثقافات.
وأتحقّق في ذلك، أنّه يتكلَّم عن إشكالات الحوار في كلٍّ من ثقافات الحضارة الروسيّة وثقافات حضارة العالم العربيّ، وعن آفاق الحوار بين ثقافات هاتين الحضارتين.
وأتبيّن، أنّه يدخل، وفي شديد من دقّة الملاحظة البحثيّة، في ملابثات هذه الإشكاليّات، انطلاقا من أسسٍ حدَّدها لحسن سير الحوار بين الحضارات، وأطلق عليها تسيمة: أركيولوجيا المصطلح، هذا المصطلح الذي بُنِيَت له مداميك هي سبعة، فهمتها كالآتي:
أوّلاً: تحرير الذات من نرجسيّتها.
ثانياً: الاشتراط على الشريك المحاور أن يقوم بالعمل التحرّري عينه.
ثالثاً: توفير المساواة في نقاط القوّة ونقاط الضعف بين الطرفين المتحاورين.
رابعاً: تأمين مناخ وافر من الاحترام المتبادل والقبول والاعتراف بين الطرفين المتحاورين كذاتياتين مختلفتين تطمحان للوصول لإيمانٍ إنسانيٍّ مشتركٍ.
خامساً: الإرادة الحرّة في أخذ القرارات لدى الطرفين المتحاورين.
سادساً: تأمين إمكانيّة شموليّة الحوار لمستويات ولمساحات التجارب الإنسانيّة في العالميين الثقافيين (المفاهيم والدنياويّات من قيم روحيّة وأخلاقيّة)، كافّةً.
سابعاً: إخضاع جدليّة التأثير والتأثّر التي تُنْصِر القويّ وتقهر الضعيف لجدليّة الأنا الإيجابيّة مع الآخر التي تقبل أن تتخلّى عن ما عندها لتقوى بما عند غيرها.
هنا تكمن قوّة هذا الكاتب: سهيل فرح . هو يبحث في هذا الحيِّز عن صحَّة الحوار، لكي لا أقول عن الحوار إذا صحَّ وجودُه، وهل يَصُح ؟
بناءً عليه، أسمح لنفسي أن أعترف لكم بأنَّه لدى قراءتي لهذا الكتاب، وبعد تمعّني بنتائجه، قد تولَّد فيَّ انطباع يقودني إلى الظّن بأنّ الكاتب يرى فعلاً في تجارب الحوار التي حدثت وتحدث بين الثقافات داخل العالم العربيّ، كما يرى في تلك التي وقعت بين ثقافات عالم روسيّا، وتلك أخيراً التي نُظِّمَت بين ثقافات هاتين الحضارتين، أنَّ كلّ هذه التجارب لم تتمكّن من حلّ عقد العقليّات المسيطرة في إطار الثقافويّات القائمة في التيّارات الحضاريّة المشرقيّة والروسيّة، هذه الثقافويّات التي راحت تتصلّب أكثر فأكثر خلال العقدين الأخيرين إلى حدود التفجّر في الزمن الحالي.
وبالفعل، فإنّ الاستعدادات البشريّة اليوم تبقى غير جاهزة لقراءة هذه التقافويّات التي هي ليست إلاّ سجلاّت ذاكراتنا حيث قيود رموزنا وأسرار معانيها، من أحداث مزّقت وميَّزت في ما بيننا، وشرّدتنا وأبعدتنا عن بعضنا البعض.
على مستوى آخر وأعمّ، فإنّ التصلّب الثقافويّ المذكور أعلاه قد أدّى بالمفكِّر الأميركيّ هامنغتون، كما ركّز عليه الكاتب في تحليلهما لحالة الحوار، بالتكهّن بإنهيار حضاريّ وشيك، علَّلَهُ بالاستناد إلى أسباب ثلاثة هي:
أوّلاً: إنّ أتساع الهوّة بين الفقراء والأغنياء في الأرض عمَّق التقسيم في المجتمع الدوليّ.
ثانياً: لقد ازدادت حدَّة الخلافات القديمة، فيما نشأت نزاعات جديدة على خطوط التماس بين الحضارات المختلفة. والحديث يجري هنا، بالدرجة الأولى، عمّا بدأ في أيلول 2001، ومن ثمّ عمّا جرى بعدها من أحداث الانتفاضة الفلسطينيّة، وحرب العراق، وتفاقم الوضع في أفغانستان وباكستان، وحول مسألة كشمير. وأضيف من جهّتي، الحالة اللبنانيّة المتدهورة.
ثالثاً: إنّ ازدياد الأمزجة المتطرِّفة يخلق تربةً خصبةً للنزاعات واستفحالها. وبكلمة أخرى، إنّ المتطرّفين على اختلاف مشاريعهم وأنواعهم، قادرون على استدراج العالم لصدام الحضارات.
نعم، هذه هي عقدة التاريخ، فالحوار لم يحدث بعد، هو معطَّل. هو معطَّل، لأنّ القراءة الفعليّة معطَّلة. قراءة الأزمنة معطَّلة، قراءة الكتب التي تتكلّم عن الأزمنة معطَّلة، وأعني بذلك الكتب المقدّسة. قراءة الإنسان لذاته معطَّلة (أيّها الإنسان اعرف نفسك - سقراط).
عقدة التاريخ هذه هي عقدة الحوار، لأنّ الحوار هو في إنهاء المنطق بالتخطّي، تخطّي النزاع بين المنطقين المتضاربين. فالصحّة والصحّ والصحيح ليسوا في المنطق. هم في التنازل عن المنطق لبلوغ تناغم الخلق، خلق الآخر في الذات، ليولدَ ما لم نعرفه بعد، أي ما لم يكن له نطقٌ بعد في هذه الآخريّة المتحرّرة.
أوليس هذا سرّ الأدب ؟ أن يوَعِيّ الإنسان على إنسانيّته التي هي أدبه، أي الإنسان الآخر فيه، أي آخريته، أي الآخر الذي لا يعرفه والذي يحرِّره ؟
* د.عبدو قاعي : منسق مركز الدراسات المجتمعية في جامعة سيدة اللويزة ( لبنان) . أستاذ محاضر في جامعات لبنانية و فرنسية.


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
ومَنْ قال أنَّ الإنسان المحاور لن ينتصر في النهاية؟
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
فلسفة الأخلاق :: إعلانات و أنشطة مشروع فلسفة الأخلاق :: المنشورات :: مقالات إعلامية-
انتقل الى: