فلسفة الأخلاق

التسامح والمواطنة
 
الرئيسيةاليوميةس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 كلمة في كتاب حوار الحضارات للدكتور سهيل فرح

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
شريف الدين

avatar

عدد المساهمات : 42
نقاط التمييز : 32360
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 23/01/2009
العمر : 52

مُساهمةموضوع: كلمة في كتاب حوار الحضارات للدكتور سهيل فرح   الأحد يوليو 11, 2010 1:51 am

كلمة في كتاب حوار الحضارات للدكتور سهيل فرح
الدكتور سعود المولى*

قبل الكلام عن الكتاب يقتضي المقام قول كلمتين في صاحب الكتاب: الدكتور سهيل فرح ، وهما كلمتان تنبعان من قلب محب: سهيل صديق عزيز وهو عنوان للنبل والشهامة ، كما أنه أيضاً مثال للعالِم المتواضع، وهذه خصال حميدة جسدها في شخصه وفي سلوكه وفي كل حياته، فجاء كتابه ناطقاً بما في ذاته، كاشفاً عما في قلبه.
وقد أفاض سهيل فرح إلى جانب ذلك كله، حباً ومودة، صدقاً وصداقة، شجاعة ومسؤولية في معالجة شؤون الوطن والأمة ، لا بل شوؤن العالَم الصديق وثقافات وشعوب هذا العالم ، وأخصها الشعوب الروسية وحضارتها.. وكان ذلك بوحي من المعاني الخالدة والملهمة في قِيَم الأديان كلها وفي الثقافات الإنسانية جمعاء، من أن "الدين النصيحة"، وأن "الدين المعاملة"، وأن "الدين الصدق"، وأن "الدين الاستقامة" (وهذه كلها وردت في الحديث الشريف عن الرسول محمد).. (فاستقم كما أُمرت-قرآن كريم) وفي أن (أفضل الجهاد كلمة حق في حضرة السلطان-حديث شريف) وأن (العدل أساس الملك-قرآن كريم) وهو (أقرب إلى التقوى-قرآن كريم)، (ولو على النفس أو على ذي قربى-قرآن كريم)، وذلكم هو (الجهاد الأكبر والجهاد الأفضل- حديث شريف)...
فالحق والعدل، وهما من أسماء الله الحسنى، أولى بالاتباع، وهما سفينة النجاة في العالمين. وقد جهد سهيل فرح وجاهد عبر مواقفه وعبر ممارسته في حياته العامة والخاصة، في تطبيق هذه القيم الأصيلة بحيث كان باطنه هو عين ظاهره، وخصوصيته هي وجهه المعلن. فالمكاشفة الصريحة للقضايا والشجون هي كشف وانكشاف في آن، لا يخشاهما إلا من كان يتستر أو يستبطن غير ما يعلن، أو يتآمر في صراعات على الغلبة والسيطرة، هي من منزلقات الهوى واستبداد الذات وطغيان الأنا (إن الانسان ليطغى- قرآن كريم).. وقد لفتني منذ أول لقاء به انه يُعلن بجرأة وبشفافية كل ما يجول في خاطره وكل ما يمكن أن يخشى البعض قوله أو يتحاشى سماعه. فقوله عن الحوار العربي-الروسي أو الروسي-الاسلامي (أو حوار الحضارات بحسب عنوان الكتاب)كلام صادق، جريء، نابع من القلب، ومن الخوف على الحوار نفسه ،ولذا هو لا يداهن ولا يجامل، يقول قولاً حسناً، وينطق بالحكمة والموعظة، لا "يستعرض" و لا "يشبّح" في المزايدات، دائماً يحكي الواقع كما هو، حين ينقل لنا تجربة روسيا وحوارها مع العرب والمسلمين، ليؤكد على أن الاختلاف سنة آلهية، وحقيقة بشرية، وعلى أن الخلاف لا ينبغي أن يفسد في الود قضية، وأن النزاع شأن طبيعي في البشر (وهو معنى التدافع في القرآن الكريم) وأن التسامح وقبول الآخر وحق الأختلاف والمغايرة والتنوع والحوار هي المعادلة الصعبة التي علينا جميعاً رعايتها وتطويرها من أجل تعايش الشعوب والأمم والحضارت لا صراعها وتناحرها...
والحوار باعتقادي هو قيمة مطلقة بذاته وهو اليوم أصبح مكسباً من مكتسبات الثقافة والحياة السياسية السليمة والشفافة.. غير أن البعض ممن كان يرفضه بالأمس، أصبح يقدمه اليوم على انه "الحل المثالي" لأي خلاف او اختلاف أو نزاع. وبعد عقود وعقود على سيادة "الافكار الثورية" والتي كانت تعتبر الحوار مساومة وتسوية وتنازلاً، وبعد مرحلة تمجيد سلطة الحزب الواحد (ضمير الامة) والزعيم الأوحد (القائد الملهم وسبب وجود الامة)، إذا بنا ننعطف 180 درجة فيصبح الحوار مضغة تلوكها الافواه ومشجباً تعلق عليه كل المزايا. فما العمل لتنقية الحوار من شوائبه وتطهيره من دواخله وليكون فعلاً أداة الشعوب للتفاهم والتعايش؟
يقوم الحوار بين مختلفين متعددين. فإما أن نؤمن بالحوار، وهذا يستبطن إعترافاً بالتعدد والإختلاف، وإما أن نزعم بأننا متطابقون ،فلا تكون لنا حاجة بالحوار. ولكم زعم الكثيرون منا في الماضي أنهم يريدون قولبة البشر في قالب واحد وكم حاولوا إكراه الناس على معتقد واحد؟؟ غلا أن حقائق الحياة هزمتهم وأولها حقيقة الإختلاف بين البشر..فالإختلاف (أو التعدد والتنوع) ليس حالة شاذة، بل هو قاعدة تكوينية شاملة ،ومتحققة بداهة، في أي إجتماع إنساني، أكان على مستوى محلي أو وطني أو إقليمي أو عالمي...لذلك فإن السعي إلى إلغائه ،بدعوى التوحد والمطابقة، هو سعي عقيم ينم عن سوء فهم وسوء تقدير، هذا في أحسن الأحوال. والتعايش مع الاختلاف أو التعدد ضمن الوحدة يفرض اعتماد "مشتركات" (تفاهمات استراتيجية أو توافقات وطنية) لا تنهض بدونها حياة إجتماعية أو يقوم مجتمع دولي . من هنا يشكل التهاون أو التفريط بالمشترك الجامع سوء تدبير خطير، تترتب عليه نتائج وخيمة، من حروب ونزاعات أهلية أو إقليمية أو دولية..عاينّا نماذج منها في لبنان على سبيل المثال، كما شهدنا منها في العلاقة المتوترة بين روسيا والاسلام على مدى التاريخ وخصوصاً أيام الدولتين العثمانية التركية والصفوية في القرون السالفة ، ثم أيام الحرب الباردة في القرن العشرين، ما ترك آثاره علينا إلى يومنا هذا.. ومن هنا أهمية عمل سهيل فرح ورفاقه الروس في حوار الحضارات والثقافات بين روسيا والاسلام إذ هي تفلح وتحرث في حقل من الألغام ومن الحدود الدامية بين الطرفين..
إن المشكلة في حد ذاتها لا تنشأ من وجود الإختلاف ،ولا من وجود أنظمة لمصالح مختلفة ، فهذا شأن طبيعي بين البشر، بل تنشأ من العجز عن إقامة نظام مصالح مشترك، أو من تخريب هذا النظام إن كان موجوداً..
على الحوار أن يبدأ إذن ،من الإعتراف بالآخر كما هو ، شريكاً مختلفاً ،ومن إحترام هذا الإختلاف وفهم أسبابه، واعتباره حافزاً على التكامل لا داعياً إلى الإفتراق.وعليه فإن الحوار لا يدعو الآخر إلى مغادرة موقعه الطبيعي والتخلي عن تطلباته المشروعة، ولا يسعى إلى استيعابه، كما لا يسعى الى التماهي معه. إن الجهد الحواري ينصب على اكتشاف المساحة المشتركة، وبلورتها، والإنطلاق منها مجدداً ومعاً في النظر إلى الأمور، ما يسمح بتحصيل خلاصات جديدة ينبني عليها تفاهم أكثر عمقاً ومواقف أكثر ايجابية.
الحوار بهذا المعنى يتجاوز خطة "التقارب والتقريب"، أو سياسة "التحالف والاستيعاب"، ليدخل في مشروع "التضامن" مع شريك كامل الاعتبار والندية ، من خلال اعتبار المشتركات شأناً أساسياً لكل طرف تتحقق بها مصالحه . فالتضامن (وهو صيغة عزيزة على إخواننا من أصحاب التجربة الروسية) ليس انضواء خلف طرف أو مركز (كما أيام الكومنترن)،وليس إرتباطاً بسلطة عليا آمرة (كما في الحاكمية الإلهية وولاية الفقيه)، وإنما هو تظهير وتجسيد للمشتركات وللخلافات في آن معاً، فنعمل على تنفيذ وتطوير المشتركات التي تسمح بنمونا المشترك، ويعذر بعضنا بعضاً في ما لا نتفق عليه، من دون أن يتحول الإختلاف إلى عداوة ( إدفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم- قرآن كريم).
والحوار الحقيقي يتطلب من المحاور شجاعة في المراجعة ومساءلة الذات، إذ هو في معناه الأعمق قدرة على رؤية الذات من موقع الآخر، وقدرة على فهم الآخر بملاحظة اعتباراته ومعاييره الخاصة.
إن النجاح في بلورة المشترك، مع القدرة على التزامه، هو عينه النجاح في إقامة "التسوية" على أساس من الوعي والقناعة... وما التسوية إلا عقد ينطوي على أخذ وعطاء وتنازلات متبادلة بالضرورة.. فالعقد الإجتماعي الذي يقوم عليه السلم الأهلي في المجتمعات إنما هو في الجوهر تسويات كبرى مركبة تتطلب عناية مستمرة وحسن تدبير من قبل أصحابها مثلما تتطلب إبداعاً في تجديدها بموازاة مستجدات الحياة. والتوافقات الكبرى أو التفاهمات الاستراتيجية على المستوى العالمي هي من النوع الذي يقيم تضامناً حوارياً بين ثقافات وشعوب مختلفة..
إن الحوار بحاجة إلى فكر يحترم الفروق والتنوّع ويرى إلى الحقائق المجتمعية الوطنية والدولية ماهيات مركّبة ذات وجوه وأبعاد كثيرة، لا جواهر بسيطة مطلقة ذات بعد واحد.. الحوار فكر يجيد التبادل والتأليف إنطلاقاً من توسّط مشرِّف، من غير أن يجنح إلى دمجية كلانية تلغي المسافات والتخوم، أو يقع في تفريعية إنقسامية عصبية تقطع العلائق وتعدم التواصل.
إن مجمل المفاهيم المتصلة بالحوار تحملنا على الإعتقاد بأنه نهج حياة وأسلوب عيش ليس مجرد وسيلة تنتفي الحاجة إليها عند تحقيق غرض معين لذلك هو دائم متجدد يستجيب لبداهة الحياة وضرورات التواصل والإجتماع. وهو إلى ذلك موقف في غاية الإقدام والشجاعة ولا سيما أثناء صعود الغرائز والعصبيات لأنه يتجنب الهروب إلى الأمام بالتطرف أو الهروب إلى الوراء بالسلبية والإنسحاب التطهري.
ولا ينجو مفهوم الحوار في بلادنا من تحريفات متنوعة تنأى به عن غايته الحقيقية فيغدو أحياناً شكلاً من أشكال النزاع البارد حين يعتبره البعض مناقشة ومجادلة (إستقصاء في محاسبة الآخر ومخاصمته) أو مساجلة (مباراة ومفاخرة وسعياً إلى الغلبة)؛ كما يغدو أحيانا أخرى آلية قاصرة عقيمة حين يعتبره البعض تبادلاً لوجهات النظر بديبلوماسية ماكرة أو هدنة بين وقتين للنزاع أو إنه أفضل المتاح مؤقتاً من بين خيارات كلها سيئة.. وفي مختلف الأحوال فإن انتفاخ الذات يحول دون التواصل والتبادل أي إلى الحوار الحقيقي.
إن الحوار بحث دائم عن المشترك بإنفتاح وتواضع على أساس فكرة التسوية واستناداً الى قيم التوسط والإعتدال.. أما بدائل الحوار فتعني عملياً الإستمرار في الخصام، وتحّين الفرصة للإنقضاض على الآخر مع ما يرافق ذلك من إضعاف لمقومات اي مجتمع ومن إهدار لما راكمته الحياة المدنية والعيش المشترك والتراث افنساني العالمي.. وهذا كله يتجاوز في أثره الحاضر والراهن ليمثل اعتداء على مقومات المستقبل.
إن هدف الحوار هو الافساح في المجال أمام البشر للتعرف والتعارف المتبادل كمقدمة للفهم والتفاهم المتبادل (...) ولا يمكن للحوار ان يبنى على غير معايير الحقيقة والحرية والعدالة المقبولة دينيا وأخلاقيا لدى كل الشعوب والحضارات... ولذا فإنه لا يقوم حوار ويستقيم مبناه ومعناه من دون الارتكازالى المعايير- المسلمات الضرورية والمطلقة:
1- نشدان الحقيقة مهما كانت..
2- العدل في الاحكام ولو على النفس او على ذي قربى..
3- التقوى في خلوص النية ووقوف المتحاورين على قدم المساواة..
4- الاعتراف بالاختلاف سنة الهية وكونية..

والحوار يفترض التفكير النقدي، والاستغراق الذاتي، بحثاً عن الحقيقة: إنه يفترض العودة الى الذات والغوص في أعماقها وليس النظر المجرد أو التلقي الجامد فقط ، وهذا أيضا يتطلب حس العدالة وشعور التقوى، ولذا هو أقرب الى الروحانية المطلقة ...
ومفهوم الحوار يرتكز أولاً وأخيرًا على معطى ثابت- واقعي وهو اللقاء: لقاء بين كائنين فردين منفتحين على بعضهما البعض، محتاجين الى بعضهما البعض، ومحتاجين اذا الى الكلام المتبادل بينهما. دون ذلك لا يكون الحوار حالة انسانية ...فالحوار يتعدى مجرد التبادل الكلامي-اللفظي. والثقافة وتاريخها ليست سوى تسجيل لحوار دائم: حوار مع الغيب، مع الكون، مع الطبيعة، مع الزمان، مع المكان.. والبشرية هي حسب قول باسكال أشبه برجل يتعلم باستمرار ويتطور بالاستناد الى معارف الذين سبقوه والذين نقلوا اليه معرفتهم وحكمتهم وتجاربهم بواسطة ما تركوه من آثار مكتوبة ... إضافة الى ما أوضحه إميل بنفيستي حول الفرق بين التواصل الحيواني والتواصل البشري ... فالحيوان قادر على التواصل بالإشارة والرمز، وحده الانسان قادر على الحوار...
والى معايير الحقيقة والعدالة والصدق والتقوى واحترام الاختلاف، ينبغي أن نضيف المبدأ أو المعيار الأساسي وهو الحرية... وأول ما نقبله في الحوار هو الحرية الشخصية وخصوصاً حرية تغيير الرأي (وليس فقط حرية التعبير عن الرأي) وحرية المعتقد والدين هي اساس في اي حوار... والآية-المفتاح (حسب وصف الامام مهدي شمس الدين) "لا إكراه في الدين"، فيها وحدها كل فلسفة العلاقة بين الحوار والحرية، لا بل انها تؤسس للفكر الانساني عموماً....
وبالنسبة للحرية الدينية يستشهد المولى بالمادة 18 من اعلان- ميثاق حقوق الانسان التي تقول:
"لكل انسان حق في حرية الوجدان والفكر والدين، ويشمل ذلك حريته في ان يدين بدين ما، وحريته في اعتناق اي دين او معتقد يختاره، وحريته في اظهار دينه او معتقده بالتعبد واقامة الشعائر والممارسة والتعليم، بمفرده او مع جماعة، وامام الملأ او على حدة"..
يقول الشيخ عبد المتعال الصعيدي (أحد تلامذة حسن البنا) "إن الحرية الدينية عبارة عن حق الانسان في اختيار عقيدته الدينية فلا يكون لغيره من الناس سلطان عليه في ما يعتقده، بل له أن يعتقد ما يشاء وله ألا يعتقد في شيء أصلا، وله اذا إعتقد في شيء أن يرجع عن اعتقاده وله الحرية في الدعوة الى ما يعتقده بالتي هي أحسن".
وفي ما يتعلق بموضوع الحرية الدينية يبدو أن نقطة الصراع بين الإسلام وغيره من الديانات والحضارات هي قضية الردة (أي الكفر بعد الاسلام عن وعي واختيار) حيث يسود الاعتقاد بأن عقوبة المرتد عن الإسلام هي القتل ليس إلا وهي في باب الحدود..ولكنني ألفت الانتباه الى انه قد برز في العقود الاخيرة التيار الذي أسس له وطوره عدد من رجال الدين المسلمين (وعلى رأسهم الشيخ شمس الدين) ومن رجال القانون الدستوري (خصوصاً في مصر والسودان مثل حسن الترابي وطارق البشري ومحمد سليم العوا) والذي يقول بأن الردة جريمة لا علاقة لها بحرية العقيدة، وانما هي مسألة سياسية (من قبيل الخيانة أو الخروج المسلح على الدولة) وبذلك تكون عقوبة المرتد تعزيراً وليست حداً، أي أن عقوبة الردة هي تشريع زمني يطبق تبعاً لما تمليه المصلحة العامة (الدولة) . كما أن الكثير من المفكرين المسلمين يتفقون على أن حرية اختيار العقيدة أو تغييرها مطلقة في الاسلام فلكل انسان أن يعتقد ما يشاء في الدنيا، وليس من حقنا أن نحاسبه...
ومع ذلك فإن السائد في فكر الحركة الاسلامية المعاصرة وممارستها، لا علاقة له بما سبق تقريره من موقف اسلامي أصيل في الحرية الدينية وحرية الاعتقاد وتغيير المعتقد. وهذا ما يعيق لا بل يلغي امكان الحوار، أي حوار. إن قبول الحرية الانسانية بالمطلق يبدأ بقبول حرية تغيير الرأي أو المعتقد ولعل هذا ما عبرت عنه وجودية جان بول سارتر، وما كان الامام شمس الدين قد وصفه بالمغامرة: ففي كل حوار هناك على الدوام مغامرة، ونحن لا نعرف كيف ينتهي الحوار، الذي هو بالنتيجة لحظة وجود أصيلة.
والحوار يشبه البحث العلمي، فكيف إذا اجتمعا معاً في كتاب واحد؟
في البحث العلمي نحن نبحث عن المعرفة الموضوعية الحقيقية أي عن الحقيقة وعن المعنى. وكل بحث معرفي هو سعي وجهد واجتهاد (هو المقصود بقوله تعالى:"يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحاً فملاقيه").
والحوار كما سبق القول يتأسس على معرفة الحق والعدل في حياة الناس وفي ما بينهم وعلى الشهادة للحق والعدل. فلكي يتأسس حوار حق صادق علينا أن نعرف الآخر حق المعرفة وأن نتسلح بالحقيقة وبالعدل ليس فقط في احترام الاختلاف بل وفي معرفة حدود الاختلاف بين الناس ("يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم")؛ ومعرفة الحق من الباطل والظلم من العدل(وعن الإمام علي: "إعرف الحق تعرف أهله"، وعنه أيضاً: " يُعرف الرجال بالحق لا الحق بالرجال")...
البحث العلمي حين ينشد الحقيقة فإنما يستدعي من جانب الباحث الحياد والنزاهة والموضوعية والشفافية وقبول ما لا يسره أو يعجبه.. أي الشهادة للحق والعدل ولو على النفس أو على ذي قربى..وأصعب أمر في البحث كما في الحياة (الحوار والعيش الواحد) هو التساوي مع الآخر (وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين – قرآن كريم) والعدل في الأحكام (على النفس والأقارب كما على الآخر المختلف) والحرية والمسؤولية التي تعني في ما تعنيه اجتناب كل ما هو من قبيل اللغة الخشبية والإسقاطات الإيديولوجية والجمود العقائدي أو المذهبي والأفكار المسبقة. كما تعني أيضاً الحرية العقائدية والدينية ("لا إكراه في الدين"- "أفأنت تُكره الناس حتى يكونوا مؤمنين" – قرآن كريم) مع ما يعنيه ذلك من مسؤولية في التعبير عن هذه الحرية وفي احترامها لدى الآخرين.
ومن أولى أوليات البحث معرفة الآخر بتمامه وكماله، بقضّه وقضيضه، بعجره وبجره، أي التعرّف إليه كما يقدم نفسه وكما يريدني أن أعرفه لا كما أتوهمه أو أتخيله أو أريده أن يكون.
وهذا يعني التفكير معاً في موضوعات وقضايا وزوايا بحثية مشتركة تحقق هذه المعرفة. ما يسهم بالتالي في تقدّم قضية الحوار والتعايش بين الشعوب والأمم وبين الحضارات والثقافات..
وفي هذا فليتنافس المتنافسون..

بيروت في 5 أيار 2010
* الدكتور سعود المولى
أستاذ في الجامعة اللبنانية ، معهد العلوم الإجتماعية.
عضو مؤسس في الفريق العربي للحوار الإسلامي المسيحي.
رئيس المجلس الإسلامي للحوار والعدالة والديمقراطية.







الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
كلمة في كتاب حوار الحضارات للدكتور سهيل فرح
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
فلسفة الأخلاق :: إعلانات و أنشطة مشروع فلسفة الأخلاق :: المنشورات :: مقالات إعلامية-
انتقل الى: