فلسفة الأخلاق

التسامح والمواطنة
 
الرئيسيةاليوميةس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 العولمة والجدل الثقافي بين الانفتاح والانغلاق

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
Admin
Admin
avatar

عدد المساهمات : 82
نقاط التمييز : 32274
السٌّمعَة : 10
تاريخ التسجيل : 07/01/2009

مُساهمةموضوع: العولمة والجدل الثقافي بين الانفتاح والانغلاق   الجمعة أبريل 02, 2010 6:26 am

العولمة والجدل الثقافي بين الانفتاح والانغلاق

د. صايم عبد الحكيم
قسـم الفـلسفـة ، جامعة وهــران
مجلة : التواصل والتثاقف
تحرير : الأستاذ : عبد الكريم غريب
دار النشر : منشورات عالم التربية
الطبعة : الاولى
مكان النشر : الدار البيضاء
سنة النشر : 2010 م - 1431 هـ
الصفحة من 115 الى 122

إذا كان المفكر المعاصر عبد الله شريط كتب (معركة المفاهيم) ليوضح عوائق التنمية، وسبل تجاوزها في حياتنا العملية والثقافية، لأن " الحل ليس في أن نسمي حياتنا باسم من الأسماء، بل نخلق هذه الحياة أولا. والمعركة الحقيقية ليست في أن نطلق على نظامنا كلمة.. بل المعركة هي الإنتاج: إنتاج ما يسد حاجتنا المادية والعقلية "(1)، فما طبيعة علاقتنا الثقافية بمفهوم العولمة، باعتبارها واقعة العصر، أو فتح كوني على حد تعبير المفكر المعاصر علي حرب ؟
مثل هذا السؤال، يدفعنا إلى إثارة علاقة المفهوم بالتاريخ، لأنه من الشائع أن الفكر يسبق المصطلح الذي " يتعلق بوقائع وأحداث علمية وتقنية، تحدث انقلابا وجوديا يتجسد في إنتاج سلع من نوع جديد، ذات ماهية أثيرية افتراضية شبحية، بأن يتوقف عليها الإنتاج المعرفي والمادي على السواء. إنها المنتوجات الالكترونية من الصور والنصوص والأرقام وسواها من العلامات الضوئية السيالة على مدار الساعة عبر الشاشات والشبكات "(2). إن هذه الثورة العلمية أو ما يسمى بالثورة الصناعية الثالثة في مجالي المعلومات والاتصالات، ستبدع في الولايات المتحدة الأمريكية مفهوم Globalization والذي ترجم إلى اللغة الفرنسية باسم Mondialisation، ونقل إلى اللغة العربية بأسماء هي: الكونية، والكوكبية، والشمولية أو الشوملة Planétarisation، والعولمة. هذا الاسم الأخير الذي ذاع وانتشر لجاذبيته الاصطلاحية التي تعني: " جعل الشيء على مستوى عالمي، أي نقله من المحدود المراقب إلى اللامحدود الذي ينأى عن كل مراقبة، والمحدود هنا هو أساسا الدولة القومية التي تتميز بحدود جغرافية وديمغرافية صارمة تحفظ كل ما يتصل بخصوصية الدولة وتفردها وتميزها عن غيرها، إضافة إلى حماية ما بداخلها من أي خطر أو تدخل خارجي، سواء تعلق الأمر بالاقتصاد أو بالسياسة أو بالثقافة "(3). وهذا السياق المعرفي الجديد، بدأ يفرض وجوده لأنه لم يعد " حكرا على وسائل الإعلام، ولا على النخب السياسة والمثقفة، بل تعدتهم لتغزو مخيال المستضعفين، وتفسر واقعهم، وتبرز وضعهم، ومستقبلهم "، خاصة بعدما تحول المصطلح إلى " مادة للاستهلاك الجماهيري الواسع أصبح محملا بأكثر مما يطيق وضاقت به إمكانية الجمع بين الأمر ونقيضه، بين الشيء وغريمه لدرجة قد يصدق معها القول، وإلى حد بعيد، إن لكل عولمته يجد فيها ضالته ومبتغاه "(4)، فهذا يؤيدها ويناصرها، وذا يشكك في قيمتها، ويحتج على محتواها، " فما هي العولمة التي تثير هذا القدر من الانتقادات ومن المديح في آن واحد ؟ إنها بالأساس ذلك الاندماج الأوثق بين البلدان وشعوب العالم، الذي تحقق من جهة، بسبب الانخفاض الكبير في كلفة النقل والاتصالات، ومن جهة أخرى، بسبب إزالة الحواجز المصطنعة من أمام الأموال والخدمات والرساميل، والمعارف والأشخاص (بقدر أدنى) عبر الحدود "(5)، وهذه الرؤية تؤكد على أهمية البحث في الموضوع الذي أنتج خطابا إشهاريا قد لا يتناسب مع وجوده، لأن العولمة قد لا تؤهل كل الثقافات لإعادة بناء ذاتها وفق الإمكانيات العلمية والتكنولوجية الجديدة، لأن خلفيتها الفلسفية تخدم مصالح المشروع الغربي الذي بدأ بعد نهاية الحرب العالمية الثانية بظهور مؤسسات دولية ذات طابع اقتصادي وسياسي، لم تشارك الدول المستعمرة في بناء إستراتيجيتها، بل ابتعدت تلك المؤسسات عن أهداف وجودها، فصندوق النقد الدولي لم يعد بنكا مركزيا عالميا له رصيده الضخم من العملات الصعبة ليسهل القروض بفوائد منخفضة لتمويل المشاريع الاجتماعية التي لا تقبل على تمويلها عادة أسواق رأس المال الخاصة، كما كان يعتقد عالم الاقتصاد جون كينز (1883-1946)، خاصة وأن شعاره الذي كتب على الباحة الداخلية لمقره المركزي بواشنطن هو: " حلمنا: عالم بلا فقر "، يبدو متناقضا مع إحصائيات البنك الدولي التي تؤكد على تفاقم الفقر والتفاوت الاقتصادي بين الدول إلى درجة أن العولمة بدت " سيئة بالنسبة إلى فقراء العالم، وسيئة بالنسبة إلى البيئة، وسيئة بالنسبة إلى استقرار الاقتصاد العالمي. والتحول من الشيوعية إلى اقتصاد السوق قد جرى في كل مكان بصورة سيئة – ماعدا في الصين وفيتنام وفي بضعة بلدان قليلة من أوروبا الشرقية – إلى حد جعل الفقر يزداد بسرعة والمداخيل تنهار "(6)، ورغم إدعاءات الانفتاح والشفافية، مازال صندوق النقد الدولي " لا يعترف رسميا بالحق في المعرفة، هذه الحرية الأساسية للمواطن، ليس هناك من قانون لحرية المعرفة يمكن أن يستند إليه أمريكي أو مواطن بلد آخر كي يكتشف ما تقوم به مؤسسة دولية عامة "(7). وفي هذا السياق النقدي أصدرت اليونسكو دفترا عام 2004، موضوعه: الثقافة على محك العولمة، اشتمل على إشارات وتنبيهات بالمعنى السينوي لعولمة الثقافة، وثقافة العولمة، باعتبار أن الوصف الأول أي عولمة الثقافة ، أخذ معاني سلبية من خلال التفاوت الاجتماعي والاقتصادي بين الدول الغنية والدول الفقيرة، وتنامي ظاهرة البطالة في المجتمعات الصناعية بعد إعادة انتشار الشركات في الدول التي تشمل على يد عاملة غير مكلفة، وإنتاج الأزمات الاجتماعية والاقتصادية في الدول النامية، من خلال تخفيض قيمة العملات الوطنية، والمضاربات المالية التي تصور تلك الأزمات كقوة قاهرة أو كوارث طبيعية لا يمكن مواجهتها، لأن " مسيري الشركات المتعددة الجنسيات يلزمون الأفراد والدول على تبني حسابات لمعدل النمو الأكثر عفوية وعشوائية كقاعدة عمل وأسلوب حياة لتصبح قانونا في العلاقات الدولية "(Cool، يوّجه العقليات والعادات الفكرية والقيم المنظمة للسلوك، لأن المرجعية الشرعية للديمقراطية لم تعد الأمم والشعوب المنتخبة، باعتبارها المسؤولة على صياغة القوانين ومراقبتها، وإنما قوانين السوق وسياسات البورصات واعتبارات الإنتاجية ومعدل المبيعات والأسواق الدولية . أما الوصف الثاني أي ثقافةالعولمة، فقد اشتمل على معاني إيجابية باعتبار أن الثورة المعلوماتية هي أقوى الثورات العلمية من حيث التأثير والفعالية في أيامنا، بالمقارنة مع ثورة المنطق الأرسطي الذي انتظر عقودا من الزمن بين الترحال والانتقال من العالم الإغريقي – الروماني إلى العالم العربي – الإسلامي، ليكتشف في القرن الثالث عشر الميلادي، فيساهم في النهضة الغربية الحديثة؛ أو الثورة العلمية مع كوبرنيكوس وغاليلي في القرن السادس عشر الميلادي عندما تجاوزت المنظومة الأرسطية بتبني الملاحظة والتجربة فأعادت بذلك الاعتبار للإبداع الإنساني الذي تحرر تدريجيا من الطبيعة، إلا أن هذا التحرر قد بلغ مداه، بعد تطور أنظمة الاتصالات التي حوّلت يقظانية الإنسان أو روبنصادته إلى العالمية والوجود الكوني. وبالتالي، لم تعد يوتوبيا مدينة الإنسان حلما من أحلام الفلاسفة على طريقة جمهورية أفلاطون أو مدن الفارابي أو أوغسطين وكامبانيلا، بل هاجسا قائما يؤمن بوحدة البشرية ورفاهيتها، منذ أن تحدث مارشال ماك لوهان عن القرية المعولمة أو الكوكبية Global Village، لأن الجغرافية الإلكترونية الافتراضية انتصرت على جغرافيا المكان، فصارت ديمقراطية المعرفة معاملة يومية، كما يبدو من استعمال وسائل الاتصال الإلكترونية التي تؤهل الأفراد في استقبال أو إرسال المعلومات دون رقابة،غير أن هذا التصور الجديد للثقافة كمحصلة للمعارف " التي تشكل نوعية التفكير، والقيم الحافزة للسلوك، وتكوين الإنسان الذي يستطيع، أولا يستطيع، اكتساب المعارف والقدرات النافعة والاندماج في عالم اليوم أو الوقوف على أبوابه الموصدة دونه "(9)، لأن العولمة قد تكون نزعة كوسموبولتية (المواطنة العالمية) تعمل من أجل الهيمنة والسيطرة على الثقافات القومية باسم وحدة الجنس البشري، خاصة وأن فكرها كان متهما قبل إعلان مبادئها ومفاهيمها، وقد تجلى ذلك في نقد ثقافة الاستهلاك، وفي البحث في حدود الإقليمية والتضامن العالمي، وفي الانتقال من ليبرالية المزاحمة إلى الاقتصاد العالمي، لأن مهمة الإنسان حسب فيلسوف الشخصانية الإسلامية محمد عزيز الحبابي(1923ـ1997) " في العالم لا تقتصر على مجرد الإنتاج والاستهلاك فحسب، بل تكمن أيضا في تحقيق ذاته بواسطة نشاطات أخرى متنوعة: تجسيد القيم، والتجدد الداخلي المستمر تجددا يتجاوز الذات في توتر الآخر "(10)، لأن محرك التاريخ عندنا، قد لا يكون الصراع الطبقي والبنية التحتية والاقتصاد، وإنما التحرر الوطني، والصراع من أجل أن يعترف بهم الآخر كأشخاص ذوي كرامة وكيانات مستقلة، فهل العولمة تحقق هذه المعاني ؟
قد يكون الخطأ فينا باعتبار أن " المغلوب مولع أبدا بالاقتداء بالغالب في شعاره وزيه ونحلته وسائر أحواله وعوائده، والسبب في ذلك أن النفس أبدا تعتقد الكمال فيمن غلبها وانقادت إليه " (11)، وقد بدا ذلك من أمثلة واقعية، نذكر منها غياب ثقافة البطاقة المغناطيسية التي حرص بريد الجزائر على تعميمها في الوقت الذي ما يزال يشتغل الكاتب العمومي بملء الشيك وسائر الوثائق الإدارية في مراكزه، وبكلمة أخرى، ما يزال العالم منقسما بين الذين يعلمون، والذين لا يعلمون لأن الأمية في أبسط تعريفاتها ما يزال حضورها متميزا في سلم القيم بالنسبة للدول التي لم تدرس أوضاعها دراسة كافية حسب جاك بيرك، وبالتالي يكون من الطبيعي ربط هذه الثورة العلمية الجديدة بشروطنا الاجتماعية والتاريخية، لأن " الأمر بالنسبة إلينا يتعلق بالتكيف مع الحاضر عسانا نتمكن من صنع الغد، وما بعد الغد، حسب تصوراتنا ومقاييسنا. ولن نحقق ذلك إلا حينما يبلغ تطورنا مستوى يسمح بتفجير ظاهرات تقنية نستطيع التحكم فيها إنسانيا "(12). وفي هذا السياق دعا أستاذ علوم التربية كرستوف وولف إلى عولمة قائمة على الاختلاف، Une mondialisation différenciée، لأن الثقافة لا تقوم على الوحدة الفكرية في القيم، وإنما على مجموع الاختلافات العميقة، والتعددية في أسلوب الانتماء والكينونة، فهي تشمل " جميع السمات الروحية والمادية والفكرية والعاطفية التي تميز مجتمعنا بعينه، أو فئة اجتماعية بعينها، وهي تشمل الفنون والآداب وطرائق الحياة، كما تشتمل الحقوق الأساسية للإنسان ونظم القيم والتقاليد والمعتقدات. والثقافة هي التي تمنح الإنسان قدرته على التفكير في ذاته، وهي التي تجعل منه كائنا يتميز بالإنسانية قدرته على التفكير في ذاته، وهي التي تجعل منه كائنا يتميز بالإنسانية المتمثلة في العقلانية والقدرة على النقد والالتزام الأخلاقي، وعن طريقها (الثقافة) نهتدي إلى القيم ونمارس الاختيار، وهي وسيلة الإنسان للتعبير عن نفسه والتعرف على ذاته كمشروع غير مكتمل، وإعادة النظر في إنجازاته، والبحث دون توان عن مدلولات جديدة وإبداع وأعمال يتفوق فيها على نفسه "(13)، كان هذا إعلان مكسيكو بشان الثقافة عام 1982 في إطار جهود اليونسكو، وإذا ما طبق على العولمة، فهي تبدو كصيرورة فكرية تكرس واقع تفوق الأقوى،الذي يحاصر التكامل الثقافي، وتجارب الآخر الغريب، وكل رؤية انتروبولوجية للتاريخ والثقافة، فتجعل الإنسان كائنا عبثيا لا يعرف ذاته، ولا يفهم أشكال وممارسات الحياة، وما تنتجه من مظاهر اجتماعية وثقافية، فتساءل البعض عن أنسنة العولمة، ومدى إمكانية فرض واعتماد حلول اقتصادية أكثر عدالة على المستوى الاجتماعي، وفكر البعض الآخر في سؤال: هل هنالك عولمة من وجهة نظر إسلامية ؟ واعتبرها ظاهرة تاريخية تعبر عن " رغبة الشمال في السيطرة على الجنوب منذ الحرب بين روما وقرطاجنه، والغرب في السيطرة على الشرق منذ الحروب بين فارس واليونان "(14)، لأن الظاهرة الاستعمارية جددت حضورها في صورة الاقتصاد الحر، واتفاقية الجات، والتبعية السياسية التي لا تحترم لا القانون الدولي ولا القوانين الوطنية،و نشر القيم الاستهلاكية مع الجنس والعنف والجريمة المنظمة، إلى درجة أن المفكر المعاصر جورج لابيكا أثار إشكالية السعادة في العولمة، خاصة بعد تعميم السلع إلى درجة أننا لا نستطيع أن نميز دولة عن أخرى، وقد صارت المؤسسات المالية أقوى من الدول، وانعكست سياساتها على مختلف شرائح المجتمع، لأن الدولة لم تعد مرجعا للتنمية، وارتبط الوجود الثقافي بمدى إنتاجيته المادية، خاصة عند دعاة العولمة الذين يرافعون من أجل تحرير الاقتصاد تحقيقا لمصالحهم الانتفاعية باعتبار أن عدم تدخل الدولة يساهم في تقليص الضرائب والحقوق الاجتماعية للعمال، ولم نجد لدى هؤلاء دعوة من أجل تحرير المواطن، لأن الليبرالية كل متكامل لا يفصل فيها بين المبادرة الاقتصادية والدفاع عن الحريات المدنية والسياسية، وفي هذا السياق المعرفي رأى عزيز الحبابي بأن الليبرالية، انطلقت " كسيرورة دينامية ونظام متفتح ومنسجم، لكنها انتهت بخلق خرافة تجعل من الغرب السيد الخلاق السعيد المتفائل، وبعد الحربين الغربيتين اللتين طبعتا تاريخ العالم، انمحت الخرافة وانفتحت العين على غرب بائس ومتشائم، استعبده رأس المال، فتراكمت لديه أخطاء وجرائم وأحقاد وعقد " (15)، ولهذا كان من الطبيعي أن تبقى ثقافة المقاومة جزءا من آليات الدفاع عن الذات في مواجهة الآخرين , بحيث لا نغترب مكانيا و لا زمانيا, فنعمل من أجل الإستثمار الإيجابي لتراثنا بروح المعرفة,و بيوت الحكمة,و زوايا الحوار و المناظرة, فنحقق علم الإستغراب باعتباره العلم المضاد للإستشراق ,لأن القابلية للعولمة صارت تفرض وجودها علينا,سواء في تكوين الأشخاص(التعليم بالحاسوب) أو صناعة الأشياء(الإلتزام بالمعايير الدولية) أو إبداع الأفكار(حقوق التأليف والإختراع). وإذا كانت الثقافة هي ما يضيفه الإنسان بيده و فكره إلى الطبيعة ، فقد تحوّلت إلى إبستيمية ميكيافلية، تهتم بما هو كائن ، كما يبدو من الخطاب الغرائزي القائم على التبعية والصدام والعدوانية، كما تكلم فوكوياما عام 1989 و هانتنغتون عام 1993 والقانون الفرنسي لتمجيد الإستعمار عام 2005 ٍٍ، وكأن عولمة الثقافة تجسد الجنون النيتشوي عندما بحث في جينالوجيا الأخلاق و ميز بين قيم الأقوياء وقيم الضعفاء ، فساهمت في تعميم جدارالفصل العنصري على الأزمنة الثقافية المختلفة)التاريخ العبري والتاريخ الميلادى والتاريخ الهجري)، و شرعت في حصار مبدأ التعددية الفكرية باعتبارها )بروميثيوس( الجديد و الأخير، كما يبدو من الأحاديث الثقافية عن نهاية الإديولوجيا و التاريخ و الدولة و الإنسان و الإيمان . . .
لقد صار الخطاب الثقافي حول العولمة بين الرشاد و التيه ، لأن جدل الذات و الأخر إستمر يصارع المفهوم الجديد بنفس الإستراتيجية التي إنفعل بها بمفاهيم سابقة كالتقدم ، و المعاصرة، و الحداثة ، و مابعد الحداثة ، وعلى هذا الأساس قد يكون مثل هذا التداول المعرفي ، إضافة إلى تكديس ثقافة (يجب الذي بجب) في زمن إخترق الأخر بمعرفته و علومه هذه الذات ، و بالتي لم تعد رمزيتها قائمة على الثنائيات أو المحاور الجزئية والضيقة ، لأن الأخر صار فيها و معها، فمن الحكمة بمكان الإنتصار لتنشئة إجتماعية متعددة الأبعاد ( الأسرة ، العالم ، المجتمع) تجعل الثقافة مفتوحة على التاريخ المعرفي ، وليس على معرفة التاريخ ، و على التثقيف اللغوي بوظائفه الإستعمالية و المعرفية ، بعد ما صارت اللغات الأنثوبولوجية كاللغة العالمية (الإسبرانتو Esperanto) تحمل من الأهداف ما يتجاوز وجودها ، لأن أدوات التواصل قد لا تصنع علاقات معرفية تحرك التاريخ ، و لكنها على الأقل تساهم في دعم التنوع الثقافي الذي صار قاب قوسين أو ادني من العدم . و في هذا السياق المعرفي ، صار موضوع: العولمة و التنوع الثقافي، إشكالية فلسفية مقررة في المنهاج التربوي ، الذي أثار تفكيرا حول حقيقة العولمة، وفلسفتها، ومخاطرها، وكيف يمكن في مجال التنوع الثقافي، إدراك عولمة بين التناقض والتهذيب ؟ قصد البحث في" كيف يمكننا تصور بقاء الأمم بتقافاتها، وإثبات الذات، أمام تحديات العولمة الّتي تقرر مرجعيات المستبقل؟"(16)، فالأمر الواقعي للعولمة إنعكس على المنظومة التربوية بحيث تحوّل التدريس بالأهداف إلى تدريس بالكفاءات، وإنتقل "الفعل التربوي من الأستاذ إلى المتعلم، وتحوّل مجال الإهتمام بالقضايا المفاهيمية إلى مجال الإهتمام بالفكر النسقي"(17), إلا أن هذه الإستراتيجية قد لا تنسجم مع وجودنا الإجتماعي والتاريخي، لأن التكوين التربوي صار يعتمد على آليات الدعم المالي والدروس الخصوصية في جميع مراحل التعليم إلى درجة أن عالم الأشياء هيمّن على عالمي الأشخاص والأفكار، فكيف يطلب من المتعلم في المرحلة المتوسطة حل معادلة ب(Excel) وهو يجهل مبادئ الإعلام الآلي ؟
يبدو أن مبدأ تعميم المعرفة الذي إقترن بتسويق العولمة، ينحصر في خطها الثقافي"الذي يحاكى، يعلن ، ينتصر، يعبر عن العولمة كاتجاه أحادي أي أن يكون ظلها الإيديولوجي والفكري"(18)، وهذا الإحتواء السلبي يتأكد من إشاعة قيم إستهلاكية مناهضة لفلسفة العمل التي تستثمر كل الجهود في التنمية سواء أكانت تقليدية أو تحديثية ، فانتصرت في المقابل ثقافة الفوضى : فوضى السوق، وفوضى العمران، وفوضى المؤسسات إلى درجة أن الإنفتاح صار عنوانا لإغتراب الذات عن ثقافة الإستقلال والبناء ، وأسلوبا لإثراء فئات إجتماعية لا تحتكم إلى قواعد الإقتصاد، لأن وجودها التاريخي لا يمتلك ثقافة الرأسمال، وإنما تخزين المال ووفرته . و وفق هذه الرؤية الفلسفية لم يعد للمشروع الثقافي المحلي أي معنى ، لأن تابع بالضرورة لجدلية العبد و السيد ، و في أقوى حالاته يدعونا إلى التكيف مع الوضع الجديد، وهذا الموقف لا يختلف عن التجارب الفلسفية التي ارتبطت بالتيارات الغربية، كالوضعية، والوجودية، والماركسية، و غيرها من المذاهب التي استجابت لمبادئها كنماذج للتطبيق على مستوى الرؤية أو المنهج أو المفاهيم، دون أن تشارك في إكتشاف قيم العصر و طبيعة المجتمع الذي تنتمي إليه، فاختارت الإغتراب الثقافي بأبعاده الزمانية و المكانية، لتصبح لحظة ظرفيه في المعرفة، تنتهي بفناء أصحابها، لأن فريضة التفكيرالغائبة، تدفع الاتّباع " إلى التبعية ، والتّبعية تستلزم الخضوع للنظام المرجعي الذي ولد في فضاء ثقافي وأنتج في زمان ومكان مختلفين عن الظرف الحاضر"(19).

المصادر والمراجع:

1- عبد الله شريط، معركة المفاهيم، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، الجزائر، الطبعة الثانية 1981، ص 304.
2- علي حرب، حديث النهايات، فتوحات العولمة ومآزق الهوية، المركز الثقافي العربي، بيروت، الدار البيضاء، الطبعة الأولى 2000، ص 10.
3- باسم علي خريسان، العولمة والتحدي، الثقافي دار الفكر العربي بيروت، الطبعة الأولى 2001، ص 19.
4- يحي اليحياوي، العولمة: أية عولمة ؟ إفريقيا الشرق، الدار البيضاء-بيروت، 1999، ص 09-10.
5- جوزيف ستيغليتز، خيبات العولمة ، ترجمة: ميشال كرم، تدقيق: د. غاز برّو، دار الفارابي، بيروت-ANEP، الجزائر، الطبعة الأولى 2003، ص 31.
6- المرجع نفسه، ص 255.
7- المرجع نفسه، ص 73.
8- Jaque Poulain, La mise à l’épreuve de la culture par la mondialisation et l’universalisation de la culture du jugement. La culture à l’épreuve de la mondialisation – UNESCO, Paris 2004, p.12.
9- علي أومليل، سؤال الثقافة (الثقافة في عالم متحول)، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء-بيروت، الطبعة الأولى 2005، ص 99.
10- محمد عزيز الحبابي، عالم الغد: العالم الثالث يتهم، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، الطبعة الأولى 1991، ص 151.
11- ابن خلدون، المقدمة، دار الكتاب اللبناني، 1982، ص 258-259.
12- محمد عزيز الحبابي، المرجع نفسه، ص 36.
13- محمد محفوظ، الحضور والمثاقفة (المثقف العربي وتحديات العولمة) المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء-بيروت، الطبعة الأولى 2000، ص 19-20.
14- حسن حنفي – صادق جلال العظم، ما العولمة ؟ دار الفكر المعاصر، بيروت دار الفكر، دمشق، الطبعة الثانية 1999، ص 19.
15- محمد عزيز الحبابي، المرجع نفسه، ص 217.
16- جمال الدين بوقلي حسن و أخرون ، إشكاليات فلسفية، مقرر السنة 2 ثانوي،
شعبة(آداب وفلسفة) الديوان الوطني للمطبوعات المدرسية 2006، ص303 .
17 - المرجع نفسه،ص 3.
18- علي عرايسية، في السؤال الفلسفي اليوم:الثقافة والعولمة،المجلة التونسية للدراسات الفلسفية ، السنة 21 ، عدد 36/37 (2004/2005) ص122 .
19 ـ سليم دولة، ما الفلسفة ؟ دار نقوش عربية، تونس ،ص105.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://philo-ethique.alafdal.net
 
العولمة والجدل الثقافي بين الانفتاح والانغلاق
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
فلسفة الأخلاق :: مساهمات و توجيهات للباحثين :: مساهمات فكرية-
انتقل الى: