فلسفة الأخلاق

التسامح والمواطنة
 
الرئيسيةاليوميةس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 اوهام بعضها فوق بعص حازم خيري الجزء الأخير

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
Admin
Admin
avatar

عدد المساهمات : 82
نقاط التمييز : 32274
السٌّمعَة : 10
تاريخ التسجيل : 07/01/2009

مُساهمةموضوع: اوهام بعضها فوق بعص حازم خيري الجزء الأخير   الثلاثاء ديسمبر 08, 2009 12:22 pm

3. مرحلة نضج الوعي القومي العربي:
في حين اتسمت المراحل السابقة على هذه المرحلة بالحماسة المُفرطة، اتسمت هذه المرحلة بقدر نسبي من العقلانية، حيث بدأ الحديث عن أهداف النضال العربي(الحرية، والاشتراكية، والوحدة)، وبُذلت بعض الجهود لبلورة مضمون واضح لتلك الأهداف. وهو ما أكده عبد الناصر في الميثاق، الذي قدمه إلى المؤتمر الوطني للقوى الشعبية يوم 21مايو 1962، حين قال(18):
"إن عهودا طويلة من العذاب والأمل بلورت في نهاية المطاف أهداف النضال العربي ظاهرة واضحة، صادقة في تعبيرها عن الضمير الوطني للأمة (العربية). ولقد أصبحت الحرية الآن، تعنى حرية الوطن، وحرية المواطن وأصبحت الاشتراكية وسيلة وغاية، هي الكفاية، والعدل. وأصبح طريق الوحدة هو الدعوة الجماهيرية لعودة الأمر الطبيعي لأمة واحدة مزقها أعداؤها ضد إرادتها وضد مصالحها، والعمل السلمي من أجل تقريب يوم هذه الوحدة، ثم الإجماع على قبولها، تتويجاً للدعوة والعمل معا".

التيار القومي ـ الإسلامي:
نجح أنصار هذا التيار نسبياً في توظيف الرابطتين القومية والدينية، حتى لا تجور إحداهما على الأخرى. على خلاف أنصار التيارين السابقين، إذ آثر أنصار كل تيار إحدى الرابطتين دون الأخرى. ويعد عبد الرحمن الكواكبى أحد أبرز أنصار التيار القومي ـ الإسلامي، فقد أخذ على عاتقه مهمة التبشير بالقومية كإحدى سمات الأمم المتحضرة، بالإضافة إلى تأكيده على العروبة كضرورة لحماية الحياة الدينية للمسلمين في أنحاء العالم. وهو ما يعكس إيمانه بقناعتين:

1. اقتران الولاء القومي بالتحضر:
تُعد هذه القناعة مدخلاً للفكر القومي عند الكواكبى، فهو يرى في القومية رابطة مميزة لتلك الأمم المتحضرة، تعمل على ترسيخها في نفوس أبنائها بشتى الوسائل والطرق، وبخاصة من خلال تعميم الوعي التاريخي لديهم، ليتسنى لهم إدراكها على نحو جلي. وتجاوز الكواكبى ذلك إلى تأكيده على انحلال رابطة القومية العربية كأحد الأسباب المباشرة لمحنة الأمة الإسلامية، بقوله(19):
" أظن أن السبب الأعظم لمحنتنا هو انحلال الرابطة الدينية..وقد زاد على ذلك فقدنا الرابطة الجنسية أيضا، فان المسلمين في غير جزيرة العرب لفيف أخلاط دخلاء، وبقايا أقوام شتى لا تجمعهم جامعة غير التوجه إلى هذه الكعبة المعظمة ".
وقوله(20):
"إذا دققنا النظر في حالة الأمم الحية المعاصرة، وهى ليس عندها ما عندنا من الوسائل الشريفة للاجتماعات ولاسترعاء السمع والاستلفات بوسائل شتى..نجد اعتناؤها غاية الاعتناء بتعميم معرفة تواريخها الملية، المفصلة المدمجة بالعلل والأسباب، تمكيناً لحب الجنسية".

2. ارتباط الولائين العربي والإسلامي:
تعكس هذه القناعة اعتقاداً راسخاً لدى الكواكبى بعدم وجود تعارض بين الولائين العربي والإسلامي، فهما صنوان لا يفترقان. فلا استقامة للرابطة الإسلامية من دون الرابطة العربية، نظراً لامتلاك العرب لخصائص وخصال متفردة تؤهلهم دون غيرهم لحفظ الحياة الدينية الإسلامية، رغم امتلاك غيرهم لخصائص ومزايا تجعل لكل منهم مقاماً مهماً في حياة المسلمين. وهو ما يعبر عنه الكواكبى ـ على لسان جمعية أم القرى ـ، بقوله(21):
"إن الجمعية بعد البحث الدقيق والنظر العميق في أحوال وخصال جميع الأقوام المسلمين الموجودين، وخصائص مواقعهم والظروف المحيطة بهم، واستعداداتهم، وجدت أن لجزيرة العرب ولأهلها بالنظر إلى السياسة الدينية مجموعة خصائص وخصال لم تتوفر في غيرهم. بناء عليه رأت الجمعية أن حفظ الحياة متعينة عليهم لا يقوم فيها مقامهم غيرهم مطلقا، وأن انتظار ذلك من غيرهم عبث محض..على أن لبقية الأقوام أيضا خصائص ومزايا تجعل لكل منهم مقاما مهما في بعض وظائف الجامعة الإسلامية، مثل أن معاناة حفظ الحياة السياسية ولا سيما الخارجية متعينة على الترك العثمانيين. ومراقبة حفظ الحياة المدنية التنظيمية يليق بها أن تُناط بالمصريين. والقيام بمهام الحياة الجندية يناسب ان يتكفل بها الأفغان وتركستان..يمينا ومراكش وامارات أفريقيا شمالا. وتدبير حفظ الحياة العلمية والاقتصادية خير من يتولاها أهل إيران وأواسط آسيا والهند وما يليها ".
والآن، أما وقد انتهيت من عرضٍ، أراه كافياً، لأهم التيارات الرئيسية (بما فيها التيار السائد على أرض الواقع، وهو التيار اللاقومى– الوطني)، تلك التى تنازعت، ولا تزال تتنازع، ثقافتنا العربية، إزاء فكرة القومية، أراني مُطالباً على نحو ما وعدت في صدر هذه المقالة، بتفسير الاخفاق المُستدام لهذه التيارات في التعاطي مع "القومية"، وكذا بيان تداعياته الخطيرة، في ضوء فكرنا الأنسني!..

تفسير أنسني لاخفاق التعاطي مع فكرة القومية:

القومية فكرة غربية وافدة، لا جدال في ذلك، تُشاركنا شعوب العالم المُختلفة في الأخذ بها، بيد أننا كعرب نظل الأمة الأكثر طنطنة بها، وعجزاً عن التعايش معها، ناهيك عن تثمينها! فلا يكاد ـ وياللاستفزاز ـ إجتماع عربي يتم، إلا وتصحبه طنطنة آلية بـ"العروبة"، وترديد للكليشيهات المُتعارف عليها في الأوساط الفكرية! وليس لقارئي الكريم أن يُسيء بي الظن، فيستشف من كلماتي اني أحد دراويش "العروبة"! وليصبر حتى نهاية المقالة، ليعلم ما أريد قوله!..

المُدقق في التيارات الرئيسية، المذكورة سلفاً، والتى تنازعت، ولا تزال تتنازع، ثقافتنا العربية، إزاء فكرة القومية، والساعي للتعرف على دواعي القول باخفاقها في التعاطي مع فكرة القومية العربية، يجد أن دواعي القول بالاخفاق تختلف باختلاف موقف أنصار كل تيار إزاء فكرة القومية العربية! فأنصار التيار اللاقومي ـ الاسلامي، برفضهم القاطع للقومية العربية وقولهم بعقيدية القومية، ينأون بأنفسهم عن الواقع المُعاش، ويُثيرون مخاوف الأقليات الدينية، علاوة على اتخاذهم من تاريخنا المُظلم مرجعية، يسعون لمُحاكاتها! حقاً كانت الدولة الاسلامية قوية وفاتحة ومنتصرة، لكن الإنسان المُسلم كان دوماً فاقداً لحرية العقل والقلب، كان ـ ولا يزال ـ خائفاً وعاجزاً عن تعهد ثقافته، لا ديانته، بالنقد والتطوير! فما جدوى قوة وكبرياء الدولة، حين يتنازل أبناؤها عن حرية عقولهم وقلوبهم(22)!

ولا يكاد أنصار التيار القومي ـ الإسلامي، يرقون إلى نظرائهم من أنصار التيار اللاقومي ـ الإسلامي، رغم مآخذنا عليهم، فاخفاقهم أمر وأضل سبيلاً! إنهم يزعمون امتلاك العرب لخصائص وخصال متفردة، تؤهلهم دون غيرهم لحفظ الحياة الدينية الإسلامية، ويرون الخلاص معقود بألويتهم! وهو قول لا تعليق لنا عليه!

أما أنصار التيار القومي ـ اللاديني، فهم الأكثر صخباً في ربوعنا الطيبة، إنهم ينادون ليل نهار بوحدة الأمة العربية، وإقامة الدولة العربية الواحدة، من المحيط إلى الخليج! وقد يكون هؤلاء هم فعلاً الأكثر فهماً وتأثراً بفكرة القومية التي نشأت وشاعت بفضل الثورة الفرنسية، غير أن المُشكلة هي أنهم يؤيدون، أو على الأقل لا يمانعون، في التضحية بالتحررية، لصالح القومية العربية!..

يبدو ذلك واضحاً في تمجيدهم لأحد أبرز رموزهم، وهو عبد الناصر، رغم سطوه المؤلم على القومية، وإساءة توظيفه لها داخلياً وخارجياً! على نحو كانت بلادي المغبونة الأكثر تضرراً منه! أوهمنا أن القومية والتحررية لا يجتمعان!

لم يبق إذن سوى التيار اللاقومي ـ الوطني، وهو يستمد أهميته وخطورته من كونه التيار السائد عملياً والمُهيمن على أرض الواقع! أنصار هذا التيار يتمتعون ببعض الخصوصية، إذ ينقسمون على الأرجح إلى فئتين: الأولى تُناصر الوطنية، عن قناعة فكرية وعاطفية، ومن هؤلاء على سبيل المثال السياسي المصري سعد زغلول، وأحمد ضيف، صاحب "نظرية إقليمية الأدب العربي"!

وأراني أتفهم كثيراً، دوافع زغلول وضيف في انتصارهما للوطنية على حساب القومية العربية! فالدولة في مصر، تضرب بجذورها في أعماق التاريخ!

الفئة الثانية من أنصار التيار اللاقومي ـ الوطني، والتى تتمثل في النخب العربية الحاكمة، يظل إخفاقها في التعاطي مع فكرة القومية العربية هو الأجدر بالدراسة والتحليل، لكون هذه النخب هي الأخطر والأكثر تأثيراً في مجريات الأحداث، منذ رحيل الآخر الغربي/العالمي(23)، عن عالمنا العربي! كذلك، يظل تفهم السر وراء التعاطي المُستفز لهذه النخب مع القومية والوطنية، مرهوناً بالتعرف على ملابسات بروزها ـ أعني النخب ـ، وتسيدها لربوعنا الحائرة!
برحيل الآخر الغربي/العالمي عن عالمنا العربي، بعد استعمار دام لعقود طويلة، توقع الكثيرون أن تأخذ ربوعنا طريقها الطبيعى نحو التطور! لكن، يبدو أن ثأراً قديماً ظلت نيرانه تتأجج فى قلب الآخر الغربي/العالمي، ويبدو كذلك أن مخاوفاً قديمة ظلت تؤرق الآخر نفسه! أما الثأر فدافعه الغزو العربي للغرب، ذلك الذى أجج الآخر العربي يوماً نيرانه وسماه فتحاً مُبيناً! فى حين أنه لم يكن سوى توسع مألوف من دولة فتية ناهضة! خطيئة الآخر العربي أن غلفه برقائق دينية!

أما المخاوف المستعرة فى صدر الآخر الغربي/العالمي فمصدرها الخشية من نهوض دولة فتية فى ربوعنا العربية، تُعيد إخراج بلاده من التاريخ(24)!

مزاعم غربية لا تخلو من وجاهة! يُجيد الآخر الغربي/العالمي توظيفها لتبرير سياسته اللاإنسانية تجاه عالمنا العربي، ويحظى بفضلها بدعم واضح من الذات الغربية، رغم صيحات الادانة التى تُطلقها تلك الذات بين الحين والآخر على استحياء، احتجاجاً على نهج الآخر الغربي/العالمى تجاه ربوعنا الطيبة..

الآخر الغربي/العالمي أعد الشرك، وهو إبقاء الجماهير العربية فى إغتراب ثقافي، تُحرم بموجبه من الحق فى نقد ثقافتها وتطويرها! الآخر الغربي/العالمي إذن فى مأزق، لأن إضطلاعه المباشر بدفع الذات العربية نحو الشرك، غير مأمون العواقب، فالذات العربية، على سذاجتها، لابد وأن تتنبه إلى ما يُراد بها!

لم تلبث العبقرية الغربية الآثمة أن وجدت الحل السحري(25)! آخر عربي/محلى، ينتمى لنفس ثقافة الذات العربية، يتولى مهمة دفعها نحو الشرك، دون أن تتنبه له الذات، وكيف تفعل؟! وهو يشاركها الملامح الجسدية، ويشاركها عاداتها وتقاليدها، وأفراحها وأتراحها، والأهم من ذلك يشاركها عقيدتها الدينية!

بالفعل نجحت الخدعة، على سذاجتها، وساعد على نجاحها أمور عديدة، منها أن الآخر العربي كان موجوداً إبان قوة الدولة العربية، إذ كانت الدولة قوية بينما كان الانسان العربي مُغترباً، وهو ما ساعد بالتأكيد على تعميق إنهيارها!

وهكذا، ارتبط بروز نسخ الآخر العربي وتسيدها لربوعنا الحائرة، برغبة الآخر الغربي/العالمي في خلق آخر عربي/محلى، يُشارك الذات العربية البائسة الملامح الجسدية، ويشاركها كذلك عاداتها وتقاليدها، وأفراحها وأتراحها، والأهم من ذلك يشاركها عقيدتها الدينية! آخر عربي/محلي يُديم تخلف الذات، عبر تكريس إغترابها ثقافياً، أي تكريس تخليها عن حقها فى نقد ثقافتها وتطويرها!

ولتعلم قارئي الكريم، أن التواطؤ الذى تقول رؤيتنا بتوافره بين نُسخ الآخرية العربية/المحلية، وبين الآخريتين العالمية والاقليمية، لا يكون بالحتمية صريحاًً، فغالباً ما يكون ضمنياً، يقتضيه التوافق الآخري، لا الصفقة الصريحة!

فترة خمسينيات وستينيات القرن الماضي، تظل برأيي الأكثر تعبيراً عن مُساندة الآخرية العالمية، الغربية وغير الغربية، لمبدأ الاستقلال السلبي لدولنا العربية، وللآخرية العربية/ المحلية، فخلالها أرسيت دعائم تلك المساندة، وإليها ترجع أهم الأحداث التي لاتزال آثارها تتفاعل في عالمنا، حتى يومنا هذا(26)!

من هنا، يصير منطقياً إختيارنا لأحد أهم النماذج الرائدة للنخب العربية الحاكمة، وهو نموذج النخبة المصرية الحاكمة في خمسينيات وستينيات القرن الماضي، والتى شكلت حجر الزاوية في هيكل الآخر المصري آنذاك، لايضاح دواعي قول فكرنا الأنسني، باخفاقها في التعاطي مع القومية العربية والوطنية!

وهو اختيار يُعضده اتخاذ هذه النخبة ذائعة الصيت، من الرئيس الراحل جمال عبد الناصر رمزاً أسطورياً لها، إضافة إلى ريادة النخبة نفسها في تعميق آخرية بقية النخب العربية الحاكمة ـ قليلة الخبرة آنذاك ـ، وكذا تعليمها كيفية التغلغل في الذات، ليختلط عليها الأمر، فتنشد خلاصها في جلادها وتموت دونه!

على أية حال، أشرت عند تعريف مفهوم القومية لارتباطه الوثيق بمفهومي الوطنية والدولة، وذكرت أيضاً أن الأمة الواحدة، تتوزع أحياناً على عدد من الدول (أعني عدداً من الوطنيات)، وهذا عين ما يحدث لأمتنا العربية الحائرة!

فقد قامت في عالمنا العربي، بعد انتهاء التواجد العسكري المُباشر للآخر الغربي، دول عربية عديدة مُستقلة، تتسيدها نُخب عربية حاكمة، يعنينا منها الآن النخبة المصرية الحاكمة في خمسينيات وستينيات القرن الماضي! إذ عمدت هذه النخبة، على نحو حماسي مُبهر، إلى جمع الأمة العربية، في دولة قومية واحدة!

كان واضحاً جداً، على نحو ما يُحدثنا التاريخ، أن طموح أبناء النخبة المصرية الحاكمة، يذهب إلى أن تكون الدولة العربية المنشودة، تحت سيطرتهم، المُباشرة أو غير المُباشرة، على نحو ما تؤكد تجربة الوحدة مع سوريا(27)! وهو أمر يمكن تفهمه في ظل حداثة عهد معظم الدول العربية آنذاك بالاستقلال، ومن ثم افتقادها لخبرات، تصورت النخبة المصرية ـ على ما يبدو ـ إمتلاكها لها!..

المهم، كان مُتوقعاً أن تُقدم النخبة المصرية تجربتها مع الانسان المصري، كنموذج لما ينبغي أن تكون عليه علاقة حكومة الدولة العربية المنشودة بأبنائها! وكان مُتوقعاً أيضاً أن تجتهد النخبة نفسها في بناء الإنسان المصري، ليصبح نموذجاً لما ينبغي أن يكون عليه الإنسان، خاصة العربي، في الدولة المُبشر بها!

المُحير أن هذا لم يحدث للأسف الشديد، والأكثر إثارة للحيرة هو تمادي النخبة المصرية الحاكمة في استهانتها وإضعافها للإنسان المصري، في وقت لم تتوقف أبواقها الدعائية عن التبشير بالخلاص العربي الموعود، على يد النخبة الحاكمة ورمزها الأسطوري! ولسوف أقدم تفسيراً لهذا التناقض المُستفز..

أغلب الظن أن النخبة المصرية الحاكمة في خمسينيات وستينيات القرن الماضي، والتى آلت إليها مقاليد الأمور في مصر، عقب الإنقلاب العسكري في 23 يولية 1952، والذي يحلو للنخب المصرية المُتعاقبة أن تُطلق عليه ثورة 23 يوليو ـ أقول أغلب الظن أن النخبة المصرية الحاكمة في خمسينيات وستينيات القرن الماضي، وعت على نحو مُلهم الميراث المُزدوج للثورة الفرنسية، وأعني به القومية والتحررية! غير أنها، وإن كانت قبلت بالقومية المنشودة والوطنية القائمة، لم تقبل بالتحررية، وآثرت مناهضتها! أغراها بذلك السلوك أمور، منها:
أولاً: وجود مناخ عالمي وإقليمي مواتي لمناهضة التحررية في الدول العربية المُستقلة، فقد أرادت الآخرية العالمية، خاصة الغربية، لهذه الدول أن يكون إستقلالها سلبياً، بمعنى أن تُحاكي النخب العربية الحاكمة ـ بوصفها حجر الزاوية في هيكل الآخرية المحلية ـ المُستعمر الغربي، في تكريسه لتخلف أبناء هذه الدول، عبر حرمانهم من حقهم المشروع في نقد وتطوير طريقة حياتهم الشاملة!

ثانياً: وجود ميراث عربي، يُجيز ويُبرر مناهضة التحررية، على نحو يصعب توافره في غير الثقافة العربية، فتاريخنا ظلمات بعضها فوق بعض(28)!

ثالثاً: وجود إنسان عربي مُغترب ثقافياً، ومؤهل ـ على نحو مُغرٍ ـ لأن يجد في التحسن النسبي لأوضاعه المعيشية ـ إن هو حدث ـ عوضاً عن حرية عقله وقلبه! إنسان عربي مُؤهل لأن يقتات الأوهام ـ الإنتصارات الكروية/ الخطب والتصريحات العنترية/ المديح المُضلل من الآخرية العالمية/ التخويف من الأقليات غير العربية/ المُزايدة على الدين والخصوصية الثقافية..إلخ ـ.

رابعاً: وجود سوابق أوروبية في السطو على القومية، وتحويلها لأوهام، تعيش عليها الشعوب، وتُضحي في سبيلها بالتحررية! ولنتذكر في هذا السياق أنه، وبعد أقل من عشرين عاماً من نهاية الحرب العالمية الأولى، عمت الديكتاتوريات المُستبدة أوروبا الجنوبية والوسطى، وانتصرت الفاشية في كل مكان تقريباً!..

خامساً: وجود مناخ مُعادٍ لدولة إسرائيل الوليدة ـ آنذاك ـ، يُغري بتوظيفه في الترويج للقومية العربية، وفي تبرير مناهضة التحررية! وكلنا يذكر الشعار الذى رفعته النخبة المصرية في حروبها: "لا صوت يعلو على صوت المعركة"!

قارئي الكريم، أظن أن التناقضات المُحيرة في تعاطي النخبة المصرية الحاكمة مع فكرة القومية العربية المنشودة ومع الوطنية القائمة، باتت مُبررة ومفهومة إلى حد يُعتد به! ولك أن تطبق النهج التحليلي نفسه على كافة النخب العربية المختلفة والمتعاقبة، منذ رحيل الأوروبيين، لتختبر بنفسك كفاءة نهجنا!

بوقوع أحداث الحادى عشر من سبتمبر، لم تنج النخب العربية الحاكمة، باعتبارها حجر الزاوية فى هيكل الآخر العربي من ثورة الغضب الأمريكي، وشهد النهج الأمريكي تجاه النخب العربية تحولات راديكالية، على الأقل نظريا!

غير أن مُمارسات سجن أبو غريب الوحشية، وخطاب أوباما الأخير فى القاهرة، أثبتا أن الولايات المتحدة، بوصفها زعيمة العالم الغربي، لم تكن جادة حين أعلنت على لسان رئيسها السابق جورج بوش، فى أعقاب هجمات 11 سبتمبر، أن اطاحتها بالنخبة الصدامية، إنما ترمى لمساعدة دول العالم العربي على التخلص من نسخ الآخر العربي، وكذا مساعدتها على استبدال استقلالها الحقيقي باستقلالها السلبي، عبر جعل العراق نموذجاُ لما ينبغي أن تكون عليه الدولة العربية فى المستقبل! إذ بات واضحاً أن الاطاحة بالنخبة الصدامية لم تأت إلا لاستعادة الهيبة الأمريكية، والبحث عن بديل عراقي أكثر انصياعاً وأقل تمرداً!

قارئي الكريم، على غير عادتي، أختم هذه المقالة، وأظنها طالت كثيراً، بسؤالٍ مُهم، أود لو تُجيبني عليه: كيف يمكن ألا تشقى أمة العرب بالقومية؟

الهوامش:
ــــــــــ
(1) المقصود بالفكر الأنسني هنا رؤيتي المقترحة له، وفيها لا تعني الأنسنية سوى أن يُحقق الإنسان، أي إنسان، بغض النظر عن الجنس أو اللون أو العرق أو الجنسية..إلخ، أكبر قدر ممكن من التطابق بين أقواله وأفعاله، شريطة انطواء تلك الأقوال والأفعال على تثمين لقول الأنسنية بالإنسان كأعلى قيمة في الوجود، وهدفها الماثل في التمحيص النقدي للأشياء بما هي نتاج للعمل البشري وللطاقات البشرية، تحسباً لسوء القراءة وسوء التأويل البشريين للماضي الجمعي كما للحاضر الجمعي. وكذا شريطة وقوعها في إطار الخصائص العامة للأنسنية والتى تتمثل فيما يلي: 1ـ معيار التقويم هو الإنسان. 2ـ الإشادة بالعقل ورد التطور إلى ثورته الدائمة. 3ـ تثمين الطبيعة والتعاطي المتحضر معها. 4ـ القول بأن التقدم إنما يتم بالإنسان نفسه. 5ـ تأكيد النزعة الحسية الجمالية.
(2) هانز كوهن، ترجمة عبد الرحمن صدقي، عصر القومية، (القاهرة: الإدارة العامة للثقافة بوزارة التعليم العالي، بالتعاون مع المجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب والعلوم الاجتماعية، سلسلة الألف كتاب، 1964)، ص 26ـ32.
(3) نقلاً عن: مالكوم كير، ترجمة عبد الرءوف أحمد عمرو، عبد الناصر والحرب العربية الباردة 1958ـ1970، (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، سلسلة تاريخ المصريين، رقم 96، سنة 1997)، ص 16. وللمزيد راجع شهادة المعلق الكروي المصري الشهير محمد لطيف: محمد لطيف، الكورة حياتي، (الاسكندرية: دار المروة للتجارة والتغليف، بدون تاريخ)، ص 111ـ 120.
(4) للاطلاع على تعريفات مختلفة لمفهوم الأمة، راجع: ييلينا مودرجينسكايا، ترجمة رفعت السعيد، مسألة الأمة، (القاهرة: مكتب يوليو للترجمة والنشر والتوزيع، 1966).
(5) أبو خلدون ساطع الحصري، أبحاث مُختارة في القومية العربية ـ الجزء الأول، (بيروت: دار القدس للطباعة والنشر والتوزيع، 1974)، ص37ـ56.
(6) بطرس بطرس غالي ومحمود خيري عيسى، المدخل إلى علم السياسة، (القاهرة: دار وهدان للطباعة والنشر، 1979)، ص 153.
(7) استقى الكاتب معلوماته عن نشوء فكرة القومية في الحضارة الغربية من المرجع التالي: هانز كوهن، م. س. ذ، ص 14ـ45.
(Cool للمزيد راجع: جورج أنطونيوس، ترجمة ناصر الدين الأسد وإحسان عباس، يقظة العرب ـ تاريخ حركة العرب القومية، (بيروت: دار العلم للملايين، 1987). أبو خلدون ساطع الحصري، محاضرات في نشوء الفكرة القومية، (بيروت: دار العلم للملايين، 1956)، ص 173ـ 259.
(9) سيد قطب, معالم في الطريق، (القاهرة: بدون ناشر, 1968), ص 52- 53.
(10) المرجع السابق, ص 8.
(11) المرجع السابق, ص 4.
(12) المرجع السابق, ص 145-146.
(13) المرجع السابق, ص ص 23-24.
(14) أبو خلدون ساطع الحصرى، أبحاث مختارة في القومية العربية ـ الجزء الثاني، (بيروت: دار القدس للطباعة والنشر والتوزيع، 1974)، ص 223ـ 256.
(15) جمال عبد الناصر ، فلسفة الثورة، (القاهرة: مطابع وزارة الإرشاد القومي، 1956)، ص 96ـ97.
(16) المرجع السابق، ص 91-92.
(17) المرجع السابق، ص 94-95.
(18) جمال عبد الناصر، الميثاق، (القاهرة: الدار القومية للطباعة والنشر، 1962)، ص 12ـ13.
(19) عبد الرحمن الكواكبى، أم القرى، (حلب: المطبعة العصرية ، 1959)، ص 38ـ 39.
(20) المرجع السابق، ص 62ـ63.
(21) المرجع السابق، ص 217ـ 218.
(22) حول ظاهرة الإغتراب الثقافي للذات العربية راجع: حازم خيري، الاغتراب الثقافي للذات العربية، (القاهرة: دار العالم الثالث، 2006).
(23) في تثمينها لقدر الإنسان في الزود بشرف عن حرية عقله وقلبه، تذهب رؤيتي المُقترحة للفكر الأنسني إلى القول بأن تطور التاريخ الإنساني إنما يُعد نتاجاً لصراع طويل ومرير بين إنسان (ذات) لا يملك سوى حرية عقله وقلبه التي وهبه الخالق إياها، ليستعين بها على ترويض الحياة، وبين (آخر) يُصر على الاستئثار بالحرية، ليتسنى له العبث بمقدرات رفاق الحياة! فـ (الآخر)، في رؤيتي المُقترحة للفكر الأنسني، عادة ما يعمد إلى آليات بعينها لتكريس تنازل أخيه (الذات) عن حقه في نقد وتطوير ثقافته، أي طريقة حياته الشاملة، ليظل هذا الأخ المسكين (الذات) تابعاً ذليلاً طيلة مقامه في ضيافة الحياة، يستهلك فقط ما يجود عليه به عقل (الآخر)، حتى أنه بمرور الزمن، يفقد هذا التابع الذليل تماماً قدرته على النقد والتطوير ويُصبح مسخاً عاجزاً، لا يملك سوى الانتظار!
(24) راجع: صامويل هنتنجتون، ترجمة طلعت الشايب، صدام الحضارات ـ إعادة صنع النظام العالمي، (القاهرة: سطور، 1998)، ص 338 – 339.
(25) راجع للكاتب: محنة شعوبنا إدراكها الساذج للآخر، مقالة منشورة على شبكة الانترنت. تهافت الآخر، كتاب مهم منشور أيضاً على شبكة الانترنت.
(26) لمزيد من المعلومات عن تلك الفترة راجع: فواز جرجس، النظام الإقليمي العربي والقوى الكبرى، (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1997).
(27) حول إخفاق تجربة الوحدة بين مصر وسوريا والعراق راجع: محاضر محادثات الوحدة بين مصر ـ سورية ـ العراق 1963، (بيروت: دار المسيرة للصحافة والطباعة والنشر، الجزأين الأول والثاني، 1978).
(28) راجع: حسين مؤنس، ظلمات بعضها فوق بعض، (القاهرة؛ الإسكندرية: دار ومطابع المستقبل، 1986).
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://philo-ethique.alafdal.net
 
اوهام بعضها فوق بعص حازم خيري الجزء الأخير
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
فلسفة الأخلاق :: مساهمات و توجيهات للباحثين :: مساهمات فكرية-
انتقل الى: